المثقف أمام عصف »السي 4«

 

سام محمود


بينما يستمر المثقف في متابعة آخر قراءاته والاصدارات ومناقشة اساليب الكتابة لدى البعض, والبحث عن اسلوبه الخاص (إنْ كان كاتبا) والمحاولات الدؤوبة لإنجاح المشروع الثقافي الذي يحمله. تنطلق في الجانب الآخر مسيرة المواد المتفجرة باحثة عن اساليبها لتبرز في الشارع العراقي محاولة هي الاخرى ترسيخ ذاتها بشكل او بآخر.
و ما ان يلتفت المبدع الى دوي الانفجار, لا يجد مفر من كتابة نص يؤرخ وينقل معاناة الابرياء, و الدافع (الشرعي) هو تلك الاشلاء المتطايرة والحياة الرمادية التي تظهر فجأة اثناء الانفجار. وبهذه الحالة يكون الكاتب قد استوفى (الطهر الكامل امام الكاتب بداخله) وهذه حال كتابنا على الدوام اذ ان الحياة دائما تبشر بالموت في بلد هو جزء منه.
فلو عاد الكاتب الى الوراء قليلا, وتمعن في الجذور الاولى لما يجري الآن, لوجد ان العراق، بعد عام 2003، كان العراق يعيش بهدوء وسلام (بدون حكومة او رجال امن) وما ان انطلقت شرارة (الطائفية) حتى انتقل العراق الى المرحلة التي وصلها اليوم.
ولو وفّر الكاتب جهد الكتابة عن الموت وتوجه بنداء الى رجال الدين كي ينسحبوا من الحكم والسلطة ومراكز اتخاذ القرار والجلوس في اماكنهم كي يبقوا محط احترام وتقدير من الجميع ومراجعتهم في ما يخص امور الدين لكان افضل من ملء الصحف والمكتبات بنصوص لا تعالج الواقع ولا تنهي ازمة.
فعلى الحكم في العراق ان يُسلَّم الى سياسيين مختصين وليس الى رجال يحملون (مسبحاتهم) اينما حلوا, و يمارسون كل ما يمارسه الانسان الاعتيادي (غير المتدين) ألا ينتهك رجل الدين (حرمته الشخصية) ومكانته بهذه الممارسات؟, فماذا تبقى من مكانته الدينية بعد ان يقود (جموعا مسلحة, ويجلس في منازل مغتصبة, ويصدر احكاما حسب اهوائه ويجيز قتل الآخر)؟.
وهنا يكمن دور الكاتب والمثقف, في التحاور مع ممثلي الدين في الحكم بوجوب ترك الحكم للمختصين, وبقاء مكانتهم كرجال دين في المجتمع محفوظة كما يجب وعدم التدخل واصــــدار فتــــاوى تثــــير مـــا تثــير مـــن متاعب.

 

»النقطة الحمراء تحت عينهِ اليسرى« إشارة مرور شعرية

 

عبد السلام دخان


(النقطة الحمراء تحت عينهِ اليسرى) عمل شعري جديد للكاتبة والشاعرة العراقية (منال الشيخ) صادر عن دار الغاوون- بيروت. وضمّ الديوان ستاً وثلاثين قصيدة تراوحت بين النص الطويل والنصوص القصيرة جدا. وجاء الاهداء في مقدمة الكتاب بمثابة نص قصير تعقبه فاتحة للديوان عنونته بـ(لقيةُ البدء) اشارةً الى محتوى الديوان الذي اتخذ نسقا متوازيا في محاكاة ذات الشاعرة والذات الاخرى بالمستوى نفسه. فلم تقتصر لغة (منال الشيخ) على الحضور الانثوي الذي عادة ما يطغى على معظم (الكتابات النسوية)، ولكنها راهنت على التنويع الصوتي حيث لجأت الشاعرة في بعض نصوصها المنتمية له العمل الابداعي الى الحديث بلسان ذَكَر مثل نصها الطويل (على منصّة جسدكِ المحموم)، فيما جاءت بعض النصوص الاخرى رصدا للحالة العامة المعاشة في الحياة، لتختزلها بصور مخصوصة تقترب من الواقع وتبتعد عنه في الوقت نفسه، لأنها تراهن على واقعية النص المكتوب وعلى بلاغته التي تستقي جمالياته من الطاقة البلاغية وطبيعة اللغة الشعرية التي تقترب من المحكيات وتنزاح عنها في الآن نفسه بقوة الاستعارات والمجازات، لعل للمرجعيات المعرفية الاثر البالغ في تميز قصائدها التي تتسم بتشكيلاتها الدلالية وابدالاتها الايقاعية، فالشاعرة المشغولة بتشكل المعنى الحامل للهموم الانسانية والمعاناة جراء الاغتراب المزدوج، هي في الوقت نفسه مسكونة بإرث نازك الملائكة والرغبة في ترك متن ابداعي رفيع، خاصة وانها شربت من نبع شعراء دجلة والفرات. وهو ما يفسر السمات التي تزخر بها هذه المجموعة الشعرية التي تحمل عنوانا مركبا ينفتح على المتخيل السردي ليعود الى الشعر محملا بتفاصيل السرود وبثراء دلالي يجعل من (النقطة الحمراء تحت عينهِ اليسرى) عملا ابداعيا يقطع مع الغنائية الكلاسيكية لصالح شعرية تقع على تخوم النثر وتتكئ على الوصف وعلى الجملة الشعرية المتوسطة والطويلة لتؤكد للمتلقي رهانها على تشكل تجربة شعرية لها مرتكزاتها الخاصة.
وقد كشفت (منال الشيخ)، من خلالها العمل الشعري او من خلال اعمالها السابقة، عن تجربتها الغنية وعوالمها التي تنزاح عن الانثوية الضيقة لتمتد من سؤال الكينونة الى سؤال الوجود وتمظهراته المختلة. انها مغامرة جمالية لا تتوقف عند سلطة المضامين فقط، لأنها تتوخى تعميق الوعي الانطلوجي بأهمية الشعر وقدرته على تحرير الذات من هيمنة اليومي، والانخراط في الراهن بكل اكراهاته وتحولاته من دون التضحية بالسياق الاجتماعي والنفسي الذي يطرح نفسه وبحدة في جل اعمالها الشعرية.
وجدير بالذكر ان (منال الشيخ) المولودة في محافظة نينوى العراقية، حاصلة على شهادة البكالوريوس في الترجمة الانكليزية، وهي تقيم حاليا في النرويج، كما تعمل صحافية حرة في عدد من الصحف العربية والاوبية. وقد صدر لها حتى الان: مجموعة سردية بعنوان (انحراف التوابيت) عن اتحاد كتاب نينوى في 1996، وكتاب (اسفار العزلة) عن دار ملامح في القاهرة في 2008، كما انجزت انطلوجيا للشعر العراقي الحديث بعنوان (امراء الرؤى) وصدرت في الجزائر في اطار تظاهرة الجزائر عاصمة للثقافة العربية عام 2007 بإشراف اهل البيت الثقافي الجزائري. ولها تحت الطبع حاليا عن دار قدمس في سورية، المجموعة السردية الثانية بعنوان (فرار من حرير) وديوانها الثاني الذي يحمل عنوان (رسائل لا تصل) عن دار فضاءات/ عمّان. ومن نصوص الديوان القصيرة نطالع نصا بعنوان ''غَلَبة'':
(مثل عثّة خاسرة
عجزتْ عن مضغِ اوهامها في خزانةِ العُمر
امضي انا الى فراشي!).
والنص القصير الآخر بعنوان ''عالم'':
(حمامتان
وحافَةُ جدار
كم واسعٌ هو قلبُ العالم).

 

حين تضخّ الروح الشابة إبداعها في الفن الفيتنامي

 

عمران القيسي


هل تحققت احلام (الطباخ) الفيتنامي المهاجر الى باريس، حين باتت مدينته هانوي اليوم احدى المعالم الثقافية والسياحية في عموم عالم جنوب شرقي آسيا؟
وهل العم (هو)، وهو الذي يسمى باسمه الكامل هوشي منه المولود سنة 1890 والمتوفى سنة 1969، يشعر الآن بالفرح السماوي الغامر، حين يرى الرسام الفيتنامي يتألق بألوانه وموضوعاته مضاهيا صديقه الزاهي كلود مونيه (1840-1926) والذي سأله ذات يوم عن سر الفرح الخالد في ألوانه؟
كانت سنوات الحرب ضد الفرنسيين ومن ثم ضد الامريكيين، قد ادت الى تحويل الابداع الفيتنامي، مسرحا ورسما، الى حالة استخدام يومي لدعم المقاومة، وزيادة قوة التصدي للآلة العسكرية الامريكية الجبارة، فكانت اللوحة اعلانا تحريضيا، وبيانا ايضاحيا عن الروح الفيتنامية الحرة، ومع ذلك كله، فقد كانت القيادات السياسية والعسكرية (للفيتكونغ)، الجناح العسكري الشعبي للمقاومة الفيتنامية، والجيش الفيتنامي الشمالي، تدرك ضرورة المحافظة على النخبة المثقفة من شعراء ومسرحيين وكتاب ورسامين ونحاتين، فكانت مواقعهم الخلفية المساندة تحفل بقدر من الأمان، وذلك تنفيذا لمقولة القائد (هوشي منه) التي تقول: (غدا سيبدؤون العمل الذي يؤسس فيتنام الجديدة فيما سيرتاح المقاتلون).
من هنا شهدنا وشهد العالم كله هذه النهضة العمرانية المذهلة لمدن فيتنامية تم تدميرها بالكامل. ولطبيعة خضراء تمت ابادة حياتها واشجارها بالوسائل كلفة.
لقد استعادت (هانوي) التي حملت اسم مدينة الشعب المثابر، ألقها الذي عُرفت به اواسط القرن التاسع عشر، حين وصفها بعض الكتاب الفرنسيين بأنها واحة الجمال الملون في ذلك الجزء من العالم، حتى ان طبقة من الارستقراطيين الفيتناميين كانت لهم بيوتهم المتحفية الكبيرة، وكانت تقنيات الفن الفرنسي خاصة والاوربي بشكل أعمّ، موجودة في العديد من المتاحف والبيوت.
انه ارث ثقافي زرعته مرحلة العلاقات الفرنسية- الفيتنامية في سنواتها الاولى. ولكن مع انطلاق الثورات التحررية في آسيا ابتداءً من الصين ومسيرتها الكبرى التي قادها (ماوتسي تونغ) 1893-1976، والتي انتهت عام 1949 بتحرير الصين برمّتها، مرورا بالصدى الذي تركته في عموم آسيا، عاش العالم صراعا مريرا بين الفيتنام والفرنسيين، حيث انتهى بانتصار (ديان بيان فو) تلك (القلعة القاعدة) التي اكتسحها قائد فيتنامي استراتيجي هو الجنرال (جياب)، ولم تهنأ فيتنام حتى جاءت مرحلة الاحتلال الامريكي وبدأت مرحلة الصراع ضد اكبر قوة عسكرية في العالم، حيث تم الانتصار عليها ايضا، وهُزمت بجيشها الجبار وآليتها العسكرية الكبرى في (سايغون) التي صارت معلما من معالم الانتصار الفيتنامي الثاني على الغرب.
ان حروب فيتنام ضد فرنسا وامريكا والتحالف الكبير الذي كان يساندها، لم تؤدِّ الى عزلة او حالة شوفينية مغلقة كما حصل عند جارتها كمبوديا، بل استعاد الفيتناميون بسرعة مذهلة توازنهم الثقافي حيث بنوا وطنهم، ولم يسترسلوا بعملية استعادة امجاد الماضي والوقوف عند الانتصار الذي حققوه، بل اسسوا اجيالهم الجديدة على ثقافة سلمية منفتحة على العالم تماما، كما اسسوا اقتصادا متحررا من كل القيود والشروط الاشتراكية المغلقة. وكانت تجربة اعادة بناء هانوي مختبراً حياً لطاقات الاجيال الشابة الطالعة بشباب وحيوية من دون ان تدمرها سنوات الحرب، لأنها كانت تعيش آنذاك اولى مراحل بزوغها.
(الحرب وراءنا والابداع امامنا)، هذا هو شعار اكاديميات الفنون والهندسة والديكور التي بدأت تضخ آلاف المتخرجين الجدد الذين كُلّفوا ببناء (المكان) الفيتنامي بأسلوب عصري وجديد.
ان تجربة الألف غاليري وتحويل هانوي الى اكبر مدينة سياحية في جنوب شرق آسيا قد نجحت نجاحا كبيرا بعد عقد ونصف العقد من انطلاق المشروع. فيما برزت اجيال شابة من الفنانين التشكيليين الذين استعانوا كثيرا بالموروث الفيتنامي الكبير، لكنهم ذهبوا صوب المستقبل مستلهمين التيارات الفنية العالمية الجديدة، ومقدمين للعالم لوحة ذات خصوصية تعبيرية، ولكن بتقنية عالية جدا تشير الى متانة الاكاديمية الفيتنامية المعاصرة.
ان اسماء كبيرة ومهمة بدأت تطرق ابواب صالات اوربا وامريكا ومتاحفها اليوم، تُعَدّ بلا ادنى شك من أهم وابرز العينات الابداعية الفيتنامية، وهي تمتاز جميعها بطابعها الشاب، بل ان اغلبها وُلد بعد انتهاء الحرب، وبدأت مرحلة الاعمار، انهم اولئك الذين يبحثون اليوم عن خلق اللغة التعبيرية المميزة. ويقدمون اللوحة التي تحمل الملامح الفيتنامية لكنها لا تتقوقع داخل اطارها الضيق.
لقد كتب (يان فندلي-براون)، رئيس تحرير القسم الثقافي بتكليف من (تانغ لونغ غاليري) -غاليري الفن الاخضر- في هانوي، تحت عنوان (عالم بين التقليد والحداثة) قائلا: (منذ ان قررت فيتنام الانفتاح على العالم عام 1980 اخذ الفن مكان الصدارة في هذا الجو الثقافي الواسع. وقد امتلك الفنان العناصر ووسائل الدعم كافة في المجتمع، وما بين القرية والمدينة عاش الفنانون مساحات حيوياتهم الفائقة، حتى اطلت اعمالهم المذهلة في جميع المدن الرئيسة، فكانت تجربة العشرين عاما الاولى واحدة من انجح تجارب حرية الابداع الفني التشكيلي في الفيتنام.
أبرز الأسماء
عند التطرق الى ابرز علامات الفن التشكيلي الفيتنامي الحديث، يجب التنبه الى خاصية الايقاعات المختلفة للفنانين، وذلك رغم التقاء الجميع على ارضية شبه مشتركة تتمثل بمؤشرات ثلاثة هي:
اولا- متانة التأليف، وهي اشارة واضحة لجدية الدراسات الاكاديمية وعمق المران اليدوي.
ثانيا- العنصر الغنائي المتمثل بفصاحة اللون ودوره في التأليف.
ثالثا- الموضوعات التعبيرية البعيدة عن السردية والقريبة من حالة الرصد المشهدي للعالم الخارجي.
لهذه المؤشرات وضوحها في اعمال ابرز الفنانين الفيتناميين الشباب. وربما في مقدمتهم (نغويين ثانه بنه)، المولود سنة 1954 في مدينة هانوي، والذي تخرّج في كلية هانوي للفنون سنة 1972، واكمل دراسته في مدينة (هوشي منه)، جامعة الفنون سنة 1983، وقد اقام العديد من المعارض الشخصية في (هونغ كونغ) وفي داخل فيتنام. كما شارك في عدد كبير من المعارض الجماعية.
المثير في هذا الفنان اصراره على اللوحة المربعة المساحة، وهي بحجم 80×80 سنتيمترا، لكنه، ضمن هذا المربع، يرسم خلفية لونية واحدة تتسم باللون البني الفاتح، وهنا من خلال هذه الخلفية يمنح اللوحة قدرا هائلا من الضوء الذي يؤهله لأن يؤسس على الخلفية الواضحة اشكالا انسية بالغة الوضوح والبساطة لكنها ليست سهلة على الاطلاق لأن استعمال الابيض على اللون (البلونسال) يحتاج الى ضربات مفاجئة في ألوان مضادة تبرز القيمة التأليفية للابيض، ولهذا يعمد الى التركيز على عنصري الشعر النسائي الاسود او الرداء الاحمر وربما التفاحة او الزهرة الحمراء.
ان فصاحة الالوان تمنح العين قدرا من (السليكشن)، اي الفرز الخاص، الذي يعزل ما بين الاضاءة والعتمة، مبرزا القيم اللونية الكامنة بينهما.
وقد خدم هذا التكنيك اللغة التعبيرية الفريدة التي صاغها هذا الفنان حين اختار ان يقدّم حالات او اوضاعا للقامة الانسية الفيتنامية التي اضحت بما تحفل به من حركات وملابس موضوعا قائما بذاته، بل وهوية واضحة المعالم لمدرسة فيتنامية حديثة بقدر ما هي طالعة من صلب التقاليد الاكسسوارية الفيتنامية القديمة، فهي ايضا تشير الى وعي حداثي متطور. ان(نغويين ثانه بنه) ملوِّن بمادة الزيت على الكانفاس من طراز حساس، وقد امسك بمفاصل اتجاهه التشكيلي الذي اضحى جزءا مهما من هويته التعبيرية. ومن ابرز الفنانين الشباب في فيتنام (هونغ فيت دونغ)، والفنان (لي ثانه سون)، والفنانون الشبان (فان ثوترانغ) و(تران كوانغ مينه) و(تران هو دانغ) و(تران كوانغ هوي) و(نغوين كوانغ هوي) و(فام نغوك مينه) و(نغوين كوانغ مينه).

 

الحالم على متن الظّهيرة

 

صادق مجبل الموسوي


»حلمت ذات مرة بأني لا أتنفس فكدت أن أموت وحلمت مرة بأني أموت فلم استيقظ«

يَدري بأنَّ الماءَ يَشرَبُ وَقتَهُ
وَالعُمرُ يَقطِرُ مِن ثِقوبٍ في الأبدْ
وَيَرشُ للآتينَ طَعمَ مَسافَةٍ عَطشى
سَيُتعِبُها انتِظارٌ قادمٌ
وَبِشَمعِدانِ الوقتِ سَبعٌ عارياتٌ
قَد نَسجنَ مِنَ العَراءِ خِيوطَهِن
جَرحَ الظهيرةَ بانعطافةِ حلمه نحو النجومِ العارياتِ
وَظلَّ يَهذي كي يقبِّلَ غيمةً مَرَّت على أحلامه
أثناءَ ما بدأَ العبورَ إلى سماءٍ ثانية.

يَنبوعُهُ دربٌ لكلِّ العاشقينَ لكي يلامسَ صوتَهم
والنهرُ يجري أُغنياتٍ
ثُمَ تجري الأغنياتُ الماء مِن صَلَواتِها
(الماءُ قوتُ الروحِ) لي وَالبحرُ موسيقى لنا
الراقصاتُ سَيَرتَدينَ ظلامَ ليلٍ نائمٍ
وَالبَحرُ يَرقصُ عارياً
مُذ قالَها:
قلبي كأصغر قُبلةٍ
كمدينة للحب قلبي.

هو جالسٌ مسَ الظَّهيرةَ بالبقاءِ
ورددَ الطرقات حتى سارَ في نومٍ ليرعى شكلَهُ!
وظلَّ يجري حين يأتيه المساءُ بلا جناح
كي يطيرَ بحلمِهِ الفضيِّ بَينَ غَمامِ روحٍ
غَلَّفَت أفقَ المسافةِ بالعبور لينتهي
و(النسرُ فوقَ الشمسِ) في متنِ الظهيرةِ لا ينامُ ولا يرى.

الضاحكُ الموجوعُ في خصرِ الحكايةِ ماسكاً حُلُمَاً وغيمتُهُ تُلوِّحُ في يدي
ذو النبرة الكسلى كصوتٍ في الصباحِ تَبَللت أصداؤه بالاشتهاءِ ولوَّحت
شحاذُ أسماءِ المدينةِ سوف يأتي كي يُعَلِّمهُ الأغاني كلّها
الناصع الخيبات قشرَ دَربَهُ ثمَ انحنى ليمرَّ سربُ الذكرياتِ ويَستفيقَ مِنَ التَسَكّعِ بَينَ أوراقٍ لأيامٍ مَضَت
سكبَ النهارَ لكأسِ نَومٍ ماشياً
هو قد رأى طيراً وَساقيةً تُرمِّمُ ظلَه
وَجرَت لَهُ الأنهارُ موسيقى ليرقص ماؤه
الماء يرقص عاريا.