يبدو ان دعاة ومسوقي التقسيم اعدوا صفقة مصالح خاصة في ظل تخبط واضح وتيه
للبوصلة العربية مما يجعل القوى الوطنية العراقية هي الاخرى بين مسلكين،
الواقعية والمثالية، ويتمسك البعض بقيم افتراضية عقلانية ولكن ليس بالضرورة ان
تكون مسلك عمل بالرغم من صوابه لدولة كبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية التي
هي الاخرى في ازمة قرار وتصحيح مسار خجولة، وتبتعد عن الاعتراف بالخطيئة
الاستراتيجية التي ارتكبتها (غزو العراق)، مما يجعل المشهد العراقي معقدا
ومركبا وشائكا ويفتقر الى تحسب دقيق وحقيقي يعتمد على القيم الواقعية رغم
سلبيتها ومرارتها وافرازاتها التي لا تتواءم مع البيئة العراقية, وهذا قد يشتت
قراءة البوصلة الوطنية العراقية ويحرفها عن الهدف او الغاية الاستراتيجية
النهائية, وتشير الحقائق والمعطيات الخاصة بغزو العراق، التي يتداولها عدد كبير
من الباحثين والخبراء الامريكيين في مراكز الدراسات ومواقع صنع القرار*، بأن
جورج دبليو بوش وادارته من المحافظين الجدد هم المسؤولون الاساسيون عن الازمات
السياسية والامنية والانسانية التي عصفت بالعراق وامريكا وادت الى اضطراب وتخبط
السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وساهمت في انتشار العنف والعنف المضاد في
ارجاء الشرق الاوسط, وما نشهده اليوم هي عواقب دموية مريرة لأخطاء استراتيجية
عديدة ارتكبتها مؤسسات امريكية مختلفة، يمينية ويسارية على حد سواء، منذ عقود
طويلة تعود على اقل تقدير الى فترة ما بعد عقدة حرب فيتنام, ناهيك عن انحياز
الولايات المتحدة الكامل الى حليفها الاستراتيجي الاول وقاعدتها العسكرية
المتقدمة في المنطقة اسرائيل باعتمادها مبدأ "الحرب والقوة العسكرية"، وتلك هي
ادوات امريكا التقليدية لتحقيق اهدافها على المستوى الخارجي.
العراق محور جيوسياسي مهم
يشكل العراق محورا جيوسياسيا مهما وفعالا على الصعيد العربي والاسلامي
والاقليمي، ويلقي بظلاله على معادلة التوازن الدولي وتوازن المصالح، ويشكل همزة
الوصل السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية بين اوربا والخليج العربي, وهو
الرقعة الحيوية الوسطى في اللوحة الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة
الامريكية, وهو حجر الزاوية في الجسد العربي, ويُفترض ان هذه حقائق ومعطيات
اساسية في التعامل مع الملف العراقي, وكما نعلم توجد في الولايات المتحدة
الامريكية مراكز دراسات رصينة ومتخصصة، وتتزايد اهمية تلك المراكز عندما تقدِّم
توصياتها للرئيس الامريكي بخصوص الازمات والحروب وكيفية معالجتها, ويُفترض ان
هذه التوصيات تُعَد وفق رؤية عقلانية ثابتة وواضحة, وما حدث في عهد الرئيس
السابق بوش خلال فترة رئاسته الماضية عكس ذلك، حيث كانت جميع التوصيات يغلب
عليها البعد الايديولوجي المتشدد ورغبات رأس المال والشركات، وابرز تلك
المؤسسات "معهد المؤسسة الامريكية"، وكان دوره بارزا في مجمل الملفات بما في
ذلك ملف غزو العراق منذ بدايته، وكذلك في صياغة خطة "زيادة القوات- الاندفاعة"،
وبالتالي ما طُبق في العراق يقود الى سياسة التقطيع الناعم التي لم تتخلَّ عنها
مراكز الدراسات الاخرى التي تضع القرار امام الرئيس الجديد دون الاخذ بنظر
الاعتبار اهمية العراق استراتيجيا كدولة موحدة قوية وماهية وابعاد وكوارث
تقسيمه وما سيخلفه من انفلات وفوضى تهدد جميع المصالح الدولية والامريكية في
المنطقة, وهناك مركزا اخرى ضمن الهياكل الوسطى لصناعة السياسات، مثل "فرق
مراجعة الوكالات" (Agency Review Teams) و"مجموعات العمل على السياسات" (Policy
Working Groups) و"مركز الامن الامريكي الجديد" (The Center for New American
Security), و"المجلس من اجل عالم يمكن العيش فيه" (Council for a Livable
World), اضافة الى "مركز من اجل التقدم الامريكي" (The Center for American
Progress), ناهيك عن مركز سابان (Saban Center) في مؤسسة "بروكينغز" (Brookings
Institution)، ومركز "مجلس العلاقات الخارجية" (Council For Foreign
Relations), ويبدو ان تلك المراكز لن تخرج عن الاطار الاستراتيجي ذي النزعة
الايديولوجية والاستعمارية للمنطقة منطلقة من هوس استخدام القوة وتعاظم النزعة
العسكرية في امريكا التي افضت الى فوضى سياسية وقانونية وانسانية في العالم
وانهيار منظومة القيم العالمية, ولكن الملفت للنظر الاصرار على تقسيم العراق.
وهنا نخاطب الرئيس الامريكي اوباما بلغة تعرفها الولايات المتحدة الامريكية،
وهي لغة المصالح، وفي تحليل مبسط مختصر اود ان استعرض بعضا من تهديدات تقسيم
العراق وتأثيرها في المصالح الدولية والامريكية في المنطقة وهي:
1- يُعَد العراق همزة وصل ضمن معادلة التوازن الدولي والاقليمي بين مجلس
التعاون الخليجي وحلف الناتو، وكلاهما حليفان استراتيجيان للولايات المتحدة،
ويرتبطان بشبكة مصالح سياسية واقتصادية ذات منحى عسكري مما يستوجب على المخطط
الاستراتيجي الحفاظ على وحدة العراق وعدم تركه منطقة رخوة واهداف لينة تقود الى
انفلات امني عسكري ينعكس سلبا في المصالح الدولية والامريكية في الرقع
الجغرافية التي تشغلها دول تلك الاحلاف والتي توجد فيها مصالح مشتركة لغالبية
دول العالم.
2- يشكل تقسيم العراق اشعاع فوضى وانفلات امني ثلاثي الابعاد، وبمنحى عرقي
طائفي يتجه الى المتوسط والقوقاز وآخر يتجه الى غالبية الدول العربية التي
ترتبط امريكا معها بمصالح حيوية، وآخر بمنحى ليبرالي يغمر الشرق الاوسط ويشع
الى اوربا مما يحقق فوضى شاملة لا تتمكن الجيوش من ايقافها, وتتحول الى حروب
شبحية وحروب عصابات طامحة للحصول على مكاسب ومطامع اسوة بما جرى في تقسيم
العراق، خصوصا ان الولايات المتحدة الامريكية قد وشّحت زعانف ميليشياوية بوشاح
سياسي ومكّنتها من السلطة والمال مما وسعت دائرة عبثها بأمن العراق والمنطقة،
وتطبق في الغالب اجندات اجنبية واقليمية تسعى الى تقسيم العراق الى دويلات
وضيعات لدول الجوار الاقليمي، وبالتالي يكون ولاؤها غير محسوم للعراق وبعيدا عن
مصلحة العراق العليا.
3- العراق حوض نفطي واحد مصدر الطاقة في العالم، ويُفترض ان يكون ارضا صلبة
مستقرة سياسيا وعسكريا وامنيا واقتصاديا، ويجب ان يكون دولة قوية موحدة لأن
تجزئته كارثة وخطيئة استراتيجية، خصوصا ان سيكولوجية الفرد العراقي طموحة
ومبدعة، وفي الوقت نفسه غاضبة وعاطفية ومحبة للعراق، وإن استشعرت بالخطر فإن رد
فعلها شامل وشرس، ولا يمكن تحديد مدى هيجانها مهما كان القمع واستخدام القوة
المفرط الذي استخدمته الادارة الامريكية السابقة ضد الشعب العراقي، والذي افضى
الى المحرقة العراقية بأرقامها الفلكية، وبالتأكيد ستفقد الولايات المتحدة
الامريكية اي مكسب في العراق وكذلك حلفاؤها السابقون والحاليون، وبذلك تفقد
قدراتها على ضبط الامور، وينعكس ذلك على المصالح المشتركة لبقية الدول كما حصل
في الصومال والتي لا تزال تغرق في فوضى دموية واحتراب دام سنين جعلت منها شركات
السلاح سوق تصريف لمنتجاتها.
4- العراق بلد عربي اسلامي يشغل رقعة ضمن خط الصدع العربي، وهويته ثابتة عبر
العصور التي مضت, وان تاريخ الحضارة في العراق يعود الى اكثر من 5000 سنة قبل
الميلاد، وان تاريخ العراق زاخر بشواهده، وان حضارة العراق قد وثقت مكونات
الشعب العراقي بقومياته المختلفة، والقومية العربية عنصر سائد يمثل 84% منه،
ولا نرغب في ان يؤخذ من العراقيين وطنهم في غفلة من الزمن، باستغلال ظرف
الاحتلال البغيض من خلال حرق وثائق العراق ومكتباته ومستمسكات ابنائه ومتاحفه
بشكل مقصود، واعقبه تهجير ملايين العراقيين وقتلهم ومنح الجنسية العراقية
لغيرهم من الاغراب وفق اجندات اقليمية لتغيير الديموغرافية العراقية تمهيدا
لتقسيم العراق وفق المعطيات الحديثة, وهذا ما اشارت اليه احدث الدراسات بخصوص
العراق، وهي دراسة مهمة وخطيرة لمركز "سابان" في معهد "بروكينغز"** للدراسات
السياسية والاستراتيجية في واشنطن بعنوان "حالة التقسيم السهل للعراق"
Partition in Iraq The Case of soft " وسميت الخطة بـ Plan Bلتقسيم العراق
والتي تتعامل مع المعطيات التي برزت بعد غزو العراق, فلا يجوز في الحسابات
الاستراتيجية كافة تدمير دولة عريقة بحضاراتها واحياء محميات عشائرية ودويلات
ولاؤها غير محسوم ذات طابع عرقي وطائفي تغذيها دول اقليمية لتحقق مصالحها على
حساب العراق.
5- العراق عصيّ على التقسيم مهما حاولت الشركات القابضة العملاقة (المال,
النفط, السلاح, المرتزقة.. الخ) والدول الحاقدة على العراق من السعي الى
تقسيمه، وهذا جوهر الغباء الاستراتيجي، فهم يرتكبون جريمة بحق العراقيين
والعالم وانفسهم، ويجعلون من بقاع الارض كافة ملتهبة تسودها الصراع والنزاع
المسلح, وما احداث العنف الدامي التي جرت مؤخرا في العراق الا جرائم حرب ضد
الانسانية، وجرائم ابادة للجنس البشري، تنفذها زعانف ميليشياوية موشحه حكوميا،
ومرتبطة باجندات اقليمية لغرض خلق بيئة تقسيم العراق بالقوة (التقسيم الصلب)،
وفرض الامر الواقع لقاعدة انتخابية مقبلة وفق سياسة إخافة المجتمع وإرهابه،
ودفعه نحو الاستقطاب الطائفي والعرقي الذي استُهلك بشكل وحشي، وبات الشعب
العراقي لا يتقبله، ولطالما نادت تلك الزعانف بالانفصال والتقسيم طيلة السنوات
الماضية والتي نهبت ثروات العراق وقتلت وهجرت ابناءه ودمرت دولته.
التقطيع الناعم للعراق.. توصيات بروكينغز
استخدمت الادارة الامريكية السابقة سياسة التقطيع الناعم والصلب ضد العراق
عندما جلبت خلف دباباتها وُرَشاً وشخصيات وشحتها بالوشاح السياسي وفق مخطط
التقسيم الطائفي والعرقي، ومكنتها من السيطرة على مقدرات البلد لخلق بيئة صراع
تقود الى التقسيم, وارتكبت جرائم تقتيل وتهجير وتصفية للعلماء، واستهدفت الطبقة
الوسطى التي كانت تدير شؤون العراق المؤسساتية، والغاية من كل ذلك تصفير مقومات
الدولة القوية الموحدة, وفق مناخ تقسيم وتجزئة باستخدام سياسة التقطيع الناعم
والصلب، ومهدت كذلك للميليشيات الاجرامية الطائفية والعرقية مسك مفاصل سياسية
وتنفيذية, واضفت عليها الشرعية السياسية والقانونية، علما بأنها خارجة عن
القانون، وغالبية عناصرها من اللصوص وقطاع الطرق والمرتزقة, واحكمت تطبيقاتها
عبر منظومة قوانين اصدرها موظف من الدرجة الرابعة في الخارجية الامريكية "برايمر"،
الذي لا يمتلك خبرة في ادارة شؤون وزارة فكيف ادارة شؤون بلد مثل العراق!
وابرزها: (قانون ادارة الدولة- اجتثاث البعث- حل القوات المسلحة العراقية-
تشكيل مجلس الحكم وفق التركيبة الثلاثية للتقسيم- الدستور- قانون مكافحة
الارهاب- دمج الميليشيات في القوات المسلحة.. الخ).
ويبدو ان هناك ملامح لمخطط تقسيم العراق نظرا للشواهد والمشاهد الدموية التي
تعصف بالمشهد العراقي، والغاية منها فرض واقع التقسيم بالقوة "التقسيم الصلب"،
وأذكر هنا آخر مشاريع رسمية طُرحت لتقسيم العراق بشكل معلن، وهي:
1- نشرت وزارة الدفاع الامريكية البنتاغون الوثيقة (16)، وهي خطط اعادة هيكلية
الشرق الاوسط، الوثيقة لـ "رالف بيتر" 2006, وهو عبارة عن تقرير نشرته مجلة
"القوت المسلحة الامريكية في عددها لشهر تموز/ يوليو 2006 والذي يرسم مستقبلا
للمنطقة، ويقوم على اعادة هيكلة الشرق الاوسط، وهو عنوان التقرير المنشور,
ويتطرق فيه الى تقسيم العراق وسورية والسعودية الى دويلات طائفية متنازعة,
وتحافظ اسرائيل على سيطرتها على جميع الاراضي العربية والفلسطينية المحتلة
ليكون السلام قائما على اساس قوة الردع الاسرائيلية من ناحية، وتمزيق دول
المنطقة وفق سياسة التقطيع الناعم من ناحية اخرى, والتقرير اعده الخبير "رالف
بيتر"، الكولونيل المتقاعد في الجيش الامريكي، وهو يعبر عن رؤية المحافظين
الجدد في امريكا, ونُشرت خريطة تشير الى اعادة رسم الشرق الاوسط الجديد, كما
تشير الخارطة في الملحق(أ) ادناه الى دولة كردستان الكبرى والتي تضم محافظات
شمالي العراق الثلاث -ومحافظة كركوك النفطية- وجزءا من محافظات الموصل وديالى،
واقتطاع مناطق من سورية وايران وتركيا وارمينيا واذربيجان، ويتم هذا بدعوى "رد
حقوق الاقليات التي هُضمت تاريخيا"، وطبعا هذا جزء من مخطط اعادة هيكلة الشرق
الاوسط، وهنا تبرز النزعة العسكرية في الفكر السياسي الامريكي, ولعل مقترح قائد
قوات الاحتلال في العراق مؤخرا لإنشاء قوة مشتركة عراقية امريكية كردية خير
دليل على ذلك.
2- دعا نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن، عندما كان سيناتورا للحزب الديمقراطي
عن ولاية "ديلاوير"، و"لزلي غليب"، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية CFR
في اوائل ايار/ مايو من العام الماضي, الى تقسيم العراق لثلاث مناطق كردية
وسنّية وشيعية, وتتمتع كل منهما بالحكم الذاتي.
3- اصدر مركز "سابان" في معهد "بروكينغز" للدراسات السياسية والاستراتيجية في
واشنطن دراسة بعنوان "حالة التقسيم السهل للعراق" The Case of soft Partition
in Iraq " وضعت اجابات عن عدد من الاسئلة حول مدى امكانية تطبيق مشروع تقسيم
العراق وفق الفدراليات الطائفية والعرقية في العراق, ونسب النجاح المتحققة
مقارنة بالوضع الحالي, وما تحقق منه, الى جانب توصيات للتغلب على الصعوبات التي
ستواجه الاطراف المختلفة اذا تم تطبيق هذا الخيار الذي اطلقت عليه
الدراسة تسمية "الخطة ب" Plan B, واعد الدراسة كل من "جوزيف ادوار"، وهو باحث
زائر في معهد "بروكينغز" حيث عمل مع قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة في
منطقة "البلقان"، وشاركه الباحث المتخصص في شؤون الامن القومي الامريكي في معهد
"بروكينغز" "مايكل هان لون" حيث عمل مع قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة
في دول مختلفة.
العملية السياسية تفتقد التقييم والمحاسبة
يشهد العراق اليوم صراعا دمويا وحراكا سياسيا مقنّعا لمارثون انتخابي يشكل اطار
العملية الانتخابية القادمة، ومن بين القوائم الانتخابية قوائم رئيسة طائفية
وعرقية تركب موجة الوطنية, وتعيد هيكلتها الطائفية والعرقية بوشاح وطني, وقوائم
اخرى ثانوية زعانف للقوائم الرئيسة وتتشح بيافطة وطنية هي الاخرى، وقوائم اخرى
مختلفة تجرب حظها, ويبدو ان ملامح وتداعيات وكوارث العملية السياسية التي بنيت
وفق اهواء ورغبات وتحديدات العم سام باتت تستهوي الكثير لغرض تحقيق طفرة مالية
مهولة (بغداد بلاتواي)***، كما حقق سلفهم دون مساءلة, في حين لم يتغير من واقع
المشهد العراقي الدامي المأساوي شيء يُذكر باتجاه الشعب العراقي الذي اصبح
وقودا لنار صراع الاجندات الاقليمية والاجنبية المتسابقة لنهب ثروات العراق,
وها هو الاحتلال جاثم على صدور العراقيين في كل مكان بالرغم من دعوات الانسحاب
التي يطلقها الرئيس الامريكي اوباما باستمرار، ولكن الشواهد والملامح والعمل
الجاد للانسحاب غير مرئي, ولا تزال منظومة تشريعاته لا تتجانس مع البيئة
العراقية، وهي سارية المفعول من دستور قد أُعد على عجل في زمن "برايمر" وفي ظل
الاحتلال ومختلَف عليه شعبيا وسياسيا، خاصة حول ما يتعلق بالمواد التي تفضي الى
تقسيم العراق ونهب ثرواته, وغيرها من القوانين، منها على سبيل المثال، قانون
مكافحة الارهاب الذي يُعَد بمثابة تهمة جاهزة تُلصق بأي معارض من الشخصيات
الوطنية وتكميما للافواه, وهناك قانون العفو الذي قدّم صك البراءة الى اللصوص
والقتلة ممن تسلقوا المناصب الحكومية، وترك المعتقلين الابرياء يرزحون تحت وطأة
التعذيب والقتل والحرمان وانتهاك حرمات عوائلهم وحرمانها من مقومات العيش
والحياة بعد ان استندت القوات الحكومية الى الوشاية الطائفية السياسية (المخبر
السري), وهناك ملايين من المهجرين العراقيين داخل العراق وخارجه هم ضحايا
الارهاب الميليشياوي الذي يتشح بواجهات سياسية مختلفة، ومورست ضدهم ابشع وسائل
الضغط والاكراه المجتمعي والمعيشي، وهم الآن محرومون من ابسط حقوقهم الانسانية
والمدنية التي وعدتهم بها امريكا وصادرتها الارادة الدولية وتنصل منها اخوانهم
العرب, وهناك ملايين الارامل من العراقيات في ظل كم هائل من المنظمات الدولية
التي تراعي حقوق المرأة، ويوجد كذلك ملايين الاطفال اليتامى والمشردين واطفال
الشوارع, وجيوش من العاطلين بلغت70%، ومع ذلك يستورد العراق العمالة الاجنبية
من الخارج(!!)، ناهيك عن ملايين الضحايا والمفقودين, والآلاف من المعتقلين
الذين تعفنوا وماتوا في معتقلات الاحتلال والحكومة، والمضحك ان هؤلاء المعتقلين
يعاد اعتقالهم مرة اخرى بعد ان تطلق سراحهم قوات الاحتلال في سابقة قانونية
وانسانية ووطنية خطيرة بدلا من رعايتهم وتعويضهم واعادة تأهيلهم للعيش في
المجتمع لما تعرضوا له من تعذيب واغتصاب واذلال في السجون.. فلو كان الضحايا،
وبهذه الارقام، امريكان لقامت الدنيا ولم تقعد، وذنب هؤلاء الوحيد انهم عراقيون
وضحايا العنف والفوضى الذي اوجده الاحتلال الامريكي في زمن فقدت فيه قوات
الاحتلال والحكومة سيطرتها على المدن العراقية، وفسحت المجال الى الميليشيات
الطائفية الحزبية والقوات الحكومية الطائفية لتنفيذ جرائم يندى لها الجبين
ويعجز عن ذكرها اللسان، وتركت بذلك مسؤولية حماية الفرد والمجتمع سائبة مما
اضطر الكثير منهم مجبرين الى الدفاع عن نفسه وعائلته من هجمات الميليشيات
الطائفية الوحشية التي اجتاحت مدن العراق في اعنف حرب تطهير طائفي شهده التاريخ
باركه الاحتلال, ولن نشاهد، عبر وسائل الإعلام، اي مجرم شارك ونفذ تلك الجرائم
يُعرض على الشاشات ويقتص منه القانون لأن جرائم الابادة تلك لا تعني قوات
الاحتلال، وكأن المنفذين كانوا اشباحا وليسوا اشخاصا، وغالبية المسؤولين عنها
ومنفذيها تحصنوا بالعمل السياسي وتغنوا بالشعارات الوطنية وركوب موجة الوطنية.
لقد خلّفت الحقبة السياسية طبقة من القتلة واللصوص وتجار الحروب والمتاجرين
بالكلمة والشعارات والمتلاعبين بقوت الشعب ممن بلغت ارصدتهم، خارج العراق،
ارقاما فلكية مليونية واملاكا في الدول العربية واوربا, ويجب ان يحاسبهم الشعب
على ما فعلوا بحقه وهم الذين طالما تغنوا بالشعارات الديموقراطية وبشروا
العراقيين بالحياة الديموقراطية التي كانت نتائجها المدمّرة واضحة لكل شعوب
العالم, في حين تشهد الدول الديموقراطية في العالم حياة دستورية متكاملة
ومستقرة وابرزها الاستقرار السياسي، وتطبيق الحقوق والحريات، ورصانة السلطات
الثلاث، ومنظومة تشريعات توائم بيئة ذلك البلد، مع وجود مناخ سياسي وطني مستقر
لا يخضع للتجاذبات الاجنبية والاقليمية وصراع الاجندات الدامي وتخضع لمعايير
المدة الاستراتيجية والكلفة والتأثير، ويقاس نجاحها داخليا وخارجيا عند اتمامها
المرحلة الثالثة من المدة الاستراتيجية، والتي تشمل التقييم والمحاسبة, وتنقسم
المدة الاستراتيجية الى ثلاث مراحل اساسية:
1- التخطيط الاستراتيجي:
الاهداف -الاولويات والاسبقيات- البنى التحتية وما يخص المجتمع من الخدمات
الاساسية كافة- الحياة الدستور الحقوق والحريات- الاستقرار السياسي, الاقتصادي,
التكامل الامني والعسكري- التنمية- الادخار، الاستثمار, دخل الفرد, والمصلحة
العليا, حزمة المصالح الاستراتيجية- الاقتصادية- الاجتماعية- الدفاعية, توازن
المصالح.. الخ.
2- الادارة الاستراتيجية:
ادارة الدولة ومؤسساتها وسلوكها تجاه المجتمع الدولي، وسلوكها تجاه شعبها
ومؤسساتها ومحاسبتهم، والحفاظ على الحياة السياسية والدستورية، وبيان صلاحيتها
وموائمة منظومة القوانين للتطبيق وتعديلاتها، واحترام قوانين حقوق الانسان عبر
تطبيقها, وحماية الفرد والمجتمع من التهديدات الداخلية والخارجية دون تمييز,
وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والتكامل العسكري, والرفاهية الاجتماعية,
ومشاريع التنمية والاستثمار, ومشاريع تطوير البنية التحتية, والإعلام الحر
وحرية التعبير.. الخ
3- التقييم والمساءلة:
يجري تقييم العملية السياسية والمساءلة خلال المرحلة الثالثة من المدة
الاستراتيجية التي تتراوح من 4 الى 6 سنوات، وبيان اداء الحكومات وما حققته من
تقدم في المجالات كافة، وابرزها الحياة السياسية والحياة الدستورية وما يخص
الحقوق والحريات وحقوق الانسان والتمييز الطائفي والعرقي والاستقرار السياسي
والاقتصادي والامني والتنمية والادخار والاستثمار..الخ، وتخضع جميع السلطات
للمساءلة القانونية والاخلاقية من قبل المجتمع والشعب والمجتمع الدولي، ويجري
غالبا حجب الثقة عن الحكومة التي تفشل في تأمين الحدّ الادنى من مبررات وجودها،
وعند تقصيرها في تقديم ابسط مقومات وجود الدولة، وهو الامن الفردي (مفهوم العقد
الاجتماعي) الذي يتنازل الفرد عن جزء بسيط عن حريته مقابل تحقيق امنه ورفاهيته
وتنمية مجتمعه, وتجري مساءلة احزاب السلطة عن المشاريع الانتخابية التي نادت
بها قبل توليها السلطة، وما تحقق منها والنتائج التي حققتها تلك الطبقة
السياسية في الحكم للبلد، وما هي التكلفة البشرية والمادية التي خلفتها واندثرت
من جراء التطبيق، وما حجم الخسائر التي لحقت بالدولة من جراء فشل تلك الطبقة
السياسية مع بيان حقيقة توجهات وافعال شخوصها واثرائهم غير الشرعي..الخ
ومقارنتها مع حسابات الكلفة والتأثير والدعم والمردود.
يعول الكثير من السياسيين والباحثين في قراءة الوضع العراقي المأساوي ومعالجته
على قيم افتراضية عقلانية مثالية, ويفترض ان يتسم بها المشهد العراقي كحالة
الطبيعية لمعالجة الازمات مع افتراض وجود حسن النية للطرف الاخر(!!), مستبعدين
بذلك مبدأ التخطيط الاستراتيجي المبكر، وخطة الخداع الاستراتيجي والتسويق
الاعلامي، والاهداف الاستراتيجية المطلوب تحقيقها، وتوازن المصالح، وصراع
الاجندات والارادات، كما ان التخطيط الاستراتيجي لا يخضع للعاطفة وحسن الظن
بالآخر ورؤية الفعل من وجهة نظر واحدة والاقتصار على رد الفعل, وفي الوقت نفسه
ليس كل ما يُخطَّط ويحاك في الدهاليز المظلمة قابلا للتطبيق، خصوصا اذا توفرت
ارادة حقيقية للتصدي.
يطالب العراقيون اليوم بمحاسبة كل من استخدم شعارات الديمقراطية في برنامجه
الانتخابي قبل الانتخابات ولم يطبقها، ونتساءل هل الديمقراطية في الدول
المتقدمة كما هي في العراق, فما يسمى بالدستور يخصخص السياسية والثروات
والاراضي الوطنية، والسيادة لمشهد الدم، والقتل الجماعي، والاعتقالات الشاملة،
وجرائم الاغتصاب والتهجير, وبات الفساد مستشريا على جميع الصعد، وانتشر الاقطاع
السياسي، واستشرى الثراء غير الشرعي، والرسائل السياسية الدموية التفجيرية سمة
غالبة على المشهد السياسي العراقي. فمتى يُحاسَب تجار الدم في العراق ومنظومة
القوانين تخلو من قوانين تحاكم من اجرم بحق العراق وقتل شعبه بعد عام 2003ومارس
ارهاب الجوع والبطالة؟ وهل سيقدم الرئيس الامريكي اوباما على محاكمة قتلة الشعب
العراقي وسارقي امواله وناهبي ثرواته من الامريكيين والعراقيين بعد ثبوت زيف
مبررات الحرب وكذب دعاتها وجشع مسوقيها ودموية منفذيها ام ستدور العجلة مرة
اخرى بيد هؤلاء؟.
* "اندرو باسفيتش: استاذ العلاقات الدولية في جامعة "بوستن" الامريكية "النزعة
العسكرية الامريكية الجديدة".
** مؤسسة بروكينغز منظمة سياسية عامة غير ربحية، مقرها واشنطن، مهمتها القيام
بأبحاث مختلفة تخص امريكا والسياسة الخارجية الامريكية، وتقدِّم التوصيات
لتطبيق الاستراتيجيات المتعلقة بالاهتمامات الخارجية، وبلغت ميزانيتها 80 مليون
دولار عام 2007.
*** الطبقة المحدودة والمستفيدة ماليا من الاحتلال من السياسيين والتجار وتجار
الحرب وقادة فرق الموت والشركات والمرتزقة والمؤسسات والمنظمات والدكاكين
السياسية، وهي مشابهة تماما لواشنطن بلاتوي وظهيرها الساند في العراق وتحقق
غايتها.
مركز صقر للدراسات الستراتيجية
|