الدولة الفلسطينية برؤية عدد من قادة إسرائيل

 

الوف بن

 جولة مكوكية اخرى، صيغة دبلوماسية اخرى، واسرائيل ستستأنف المفاوضات مع الفلسطينيين، المؤشرات تتكاثر: الرئيس الفلسطيني محمود عباس يقترب من نقطة الاستنفاد لرفضه الحديث مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المبعوث الامريكي جورج ميتشيل جائع للانجاز، نتنياهو يقضي الوقت في كرسيه، وبعد قليل سيسألونه من اجل ماذا اجتهد جدا كي يعود الى الحكم. في ظروف كهذه، يبدو استئناف المحادثات كمخرج ضروري لكل الاطراف، حتى لو تطلب الامر بضعة اسابيع اخرى من الاستعدادات.
عن ماذا سيتحدثون؟ في المقابلة التلفزيونية التي منحها للمذيع البارز تشارلي روز اوضح ميتشيل هدف المفاوضات التي يتوسط فيها: ''تحقيق كامل'' لمبادرة السلام العربية، وتذكرة لمن نسي: المبادرة تدعو الى انسحاب اسرائيلي الى حدود 4 حزيران 1967، اقامة دولة فلسطينية وحل ''عادل ومتفق عليه'' لمشكلة اللاجئين، مقابل انهاء النزاع والتطبيع الكامل في علاقات اسرائيل والعالم العربي، المعنى: تأشيرة الى البلدة القديمة والى ينابيع الحمة، هذا ما يريد ميتشيل تحقيقه في سنتين، او في اقل.
تفاؤل ميتشيل يبدو مبالغا فيه، ولاسيما على خلفية انجازاته الصفر في السنة الماضية، التي فشل فيها حتى في جلب الطرفين الى طاولة المفاوضات، ولكن يبقى هو على موقفه.
نتنياهو خائب الامل من رفض عباس استئناف المفاوضات، ''لو كان امامي السادات لكان كل شيء بدا مغايرا''، يقول لمساعديه، الدول العربية وعلى رأسها مصر ملت الجمود السياسي، وافقت على المساهمة في تلطيف المطالب الفلسطينية، ولكن من حيث الجوهر لم يتغير شيء.
الفلسطينيون يريدون جدولا زمنيا سريعا واسنادا امريكيا لإقامة دولتهم في حدود 67، مع تبادل ضيق للاراضي وشرقي القدس كعاصمة لها، وعلى هذا يرد نتنياهو: تفضلوا، تعالوا نتحدث في كل شيء، ولكن لنا ايضا توجد مطالب، اعترفوا باسرائيل كدولة يهودية والتزموا بانهاء النزاع ونهاية المطالب، وحسب الوزير الكبير، فإن المطالب المضادة لنتنياهو ترمي الى الايضاح بأن البحث في التسوية الدائمة لن يؤدي الى اي مكان، ومن الافضل البدء بخطوات صغيرة من الاسفل.
ميتشيل يقترح ان يتحدث الطرفان عن الحدود فقط وهي مسألة تبدو اقل تعقيدا على الحل، في اللحظة التي تترسم فيها الحدود، ستحل من تلقاء ذاتها مشكلة المستوطنات، اسرائيل ستعرف اين مسموح لها ان تبني كما تشاء واين محظور. الفلسطينيون يمكنهم ان يطوروا دولتهم التي على الطريق. القدس واللاجئون سيوضعان جانبا. ولكن نتنياهو يعارض التركيز على الحدود، ''هذا فخ''، يقول الوزير الكبير، ''نحن فقط نعطي ولا نأخذ''.
وزير (الدفاع) ايهود باراك، يؤمن بتسوية انتقالية ويقترح الدفع الى الامام بـ''المرحلة الثانية من خريطة الطريق''، اقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة، باراك يعتقد ان هناك حاجة الى سنتين من المفاوضات وثلاث سنوات اخرى لتطبيق التسوية، تكمل فيها اسرائيل تطوير منظومات الدفاع ضد الصواريخ. ويفترض باراك ان التسوية الانتقالية ستفترض اخلاء مستوطنين، القسم الاكبر منهم سيغادرون في تسوية ''اخلاء- تعويض طوعي''، وآخرون يكون بوسعهم البقاء كمواطنين او كمقيمين دائمين في فلسطين. ويُقدَّر ان مستوطنين قلائل سيختارون هذه الامكانية. الفلسطينيون يعارضون بشدة التسوية الانتقالية ويرون فيها مؤامرة اسرائيلية كي يعلقوا في دويلتهم المبتورة والمحاصرة. باراك يأمل بأن يقتنعوا بخلاف ذلك، فيوافقوا على ان دولة دون حدود دائمة افضل لهم من وضعهم الحالي.
نتنياهو يعرض موقفا مركبا، لباراك يقول، لماذا الاصرار على تسوية انتقالية؟ واذا حققنا تسوية دائمة، اليس هذا افضل؟ يبدو هذا مثل يوسي بيلين، ولكن في منتدى السباعية يسمعون رئيس الوزراء يتماثل مع ''يعلون'' في معارضته الحازمة لإخلاء مستوطنات سيُفسَّر فقط كضعف اسرائيلي.
احد قدامى المفاوضات الذي ادى ادوارا رفيعة الى جانب رؤساء وزراء سابقين، يحذِّر من تقدير مغلوط للعوائق امام التسوية مع الفلسطينيين، والتي على حد قوله تكمن بالذات في مسائل تبدو سهلة على الحل ويقول: ''انتم تكتبون بأن كل شيء سيتفجر على القدس واللاجئين، ولكن هذا هراء، الاتفاق سيقوم ويسقط على الحياة اليومية، على الترتيبات الامنية، المشكلة الحقيقة هي ان مفهوم الاستقلال لديهم يختلف تماما عن مفهومنا''، الدولة الفلسطينية التي يراها نتنياهو، باراك، وكذا ايهود اولمرت وتسيبي لفني في احلامهم، ستكون اقل بكثير سيادية ومستقلة حتى من لبنان، وما تراه اسرائيل كمطالب امنية شرعية، يعتبرها الفلسطينيون كاستمرار للاحتلال والسيطرة الاسرائيلية.
في قلب المفاوضات ستقبع، بالتالي، الترتيبات الامنية التي ستحصل عليها اسرائيل في مقابل الاستقلال الفلسطيني، في زمن اولمرت بلورت اسرائيل مطالبها الامنية في التسوية المستقبلية مع الفلسطينيين، وعرضها على الامريكيين، اللواء عيدو نحوشتان، الذي كان في حينه رئيس شعبة التخطيط واليوم قائد سلاح الجو، وضع صيغة ''وثيقة الثماني نقاط'' للترتيبات الامنية، وكلف بالجوانب السياسية شالوم ترجمان، المستشار السياسي لاولمرت. في الرحلة الاخيرة لاولمرت الى واشنطن، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2008، طلب من الادارة المنصرفة لجورج بوش تسليم الوثيقة الى ادارة اوباما. وحسب مستشاري اولمرت، هذا ما حصل.
''الثماني نقاط'' تتضمن مطالب مثل الرقابة على معابر الحدود الى فلسطين، حرية الطيران الاسرائيلي في مجالها الجوي، مسؤولية اسرائيلية عن المدى الالكترومغناطيسي، ومحطات انذار مبكر اسرائيلية في ظهر الجبل، في الحياة اليومية يبدو هذا على النحو التالي: سكان نابلس اعتادوا على سماع طائرات الجيش الاسرائيلي تتدرب على المعارك الجوية فوق مدينتهم، ورؤية غابة الهوائيات في اعالي جبل عيبال، واسرائيل تريد لهذا ان يستمر.
المسألة الاكثر حساسية تتعلق بالرقابة على الحدود الخارجية، لا يوجد تعبير اكثر وضوحا عن سيادة الدولة من قدرتها على ان تقرر من وماذا يدخل الى نطاقها. من ناحية اسرائيل، لا توجد خطورة اكبر من حدود فلسطينية مفتوحة، تتدفق عبرها الى الضفة الغربية الصواريخ. النار من غزة جعلت الحياة في جنوب البلاد كابوسا. الصواريخ من الضفة ستهدد تل ابيب، القدس ومطار بن غوريون، واسرائيل ستصبح هدفا ناريا لحماس والجهاد الاسلامي.
نتنياهو يرى في تجريد الدولة الفلسطينية ومنع تهريب السلاح الى نطاقها الامر الاساس، وعندما اطلعه باراك على ''وثيقة الثماني نقاط''، قال نتنياهو ان الرقابة على الحدود الخارجية يجب ان تكون ''ناجعة''، في خطاب له مؤخراً قال نتنياهو: ''اشك اذا كان بوسع شيء ان يفعل هذا، غير التواجد الحقيقي لدولة اسرائيل، لقوات اسرائيلية''.
باراك يقترح اقامة ''اطار اقليمي'' يشرف على الحدود، يمكن ان يشارك فيه الاردن واسرائيل. وتبدأ الرقابة في الجانب الاردني، بحيث يكون لها عمق، والمظلة الاقليمية تخفف من حدة التدخل الاسرائيلي. ليس واضحا اذا كان الاردنيون سيتحمسون. علاقاتهم مع حكومة نتنياهو سيئة، ونتنياهو لا يريد ان يشركهم في المسيرة السياسية، بسبب المكانة الخاصة التي يعدهم بها اتفاق السلام في القدس. ولكن البحث لا يزال نظريا: نائب ميتشيل، فرد هوف، الذي تسلم الملف الامني في المفاوضات لا يعرف بعد من سيجلس امامه من الجانب الاسرائيلي، باراك ورجاله ام عوزي اراد، مستشار الامن القومي.

 

الفشل في التخطيط للانتخابات الجديدة في العراق

 

رانج علاء الدين


قبل اشهر قليلة، جرى التحضير في العراق لما بدا ممارسة متطورة جدا للديمقراطية، يمكن بموجبها تخطي الحدود العرقية والطائفية في العملية الانتخابية الى درجة معينة. مع ذلك، وخلال الاسابيع القليلة الماضية، ادى منع 511 مرشحا اغلبهم من السنّة، والمشاحنة القوية التي تلت ذلك، الى افساد الانتخابات القادمة. المرشحون الممنوعون لديهم فرصة للاستئناف ضد قرار المنع، ولكن عملية الاستئناف لعدد كبير من المرشحين يمكن ان تستغرق وقتا اطول من مدة الشهرين المتبقيين من الآن وحتى الانتخابات.
تبعا لذلك، فإن الحكومات الغربية تبذل مساع دبلوماسية حثيثة، اذ يتمحور القلق حول زعزعة الاستقرار وما يمكن ان يعنيه ذلك لانسحاب القوات الامريكية لاحقا هذا العام، بالاضافة الى زيادة النفوذ الايراني الذي يمكن ان ينتج عن استبعاد اية عناصر وطنية مناهضة لايران بقوة من البرلمان العراقي.
في محاولة لحل الازمة، دعت الامم المتحدة الى نبذ القائمة، وقد رُفض ذلك فورا تقريبا، وهو ما لا يثير الدهشة. اقتراح بنّاء بشكل اكبر جاء من نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن وفريقه من المستشارين بشؤون الشرق الاوسط. بايدن اقترح تجاهل القائمة الى ما بعد الانتخابات، وبهذا فإن المرشحين الذين تم انتخابهم فقط هم من يجري اختبارهم فيما اذا كان لهم صلات بالبعثيين. ربما كان اقتراحه نتيجة لجهود الضغط التي قام بها اياد علاوي، الذي زار مؤخرا برهم صالح: رئيس وزراء منطقة كردستان العراق والحليف البارز لواشنطن في العراق. علاوي يترأس الحركة الوطنية العراقية، التي مُنع من الترشح سبعون عضوا فيها على الاقل والتي تضم صالح المطلك، وهو مشارك سنّي مهم يُعَد منعه اكثر الامور اثارة للجدل.
الشائعات تُلمِّح الى ان اقتراح بايدن يمكن ان يتم قبوله، فلم يرفضه العراقيون حتى الآن. رغم ذلك، اذا كان منع المرشحين خطوة كارثية (والولايات المتحدة تعتقد ذلك بوضوح) فإن اقتراح بايدن يؤجل وقوع الكارثة فحسب. السماح للبعثيين، او المشبوهين بأنهم من البعثيين السابقين، بدخول البرلمان، ومن ثم طردهم ضد رغبة الناخبين، يمكن ان يكون له عواقب وخيمة اكثر من منعهم من دخول الانتخابات من البداية.
السياسة الغربية الرسمية في العراق كانت السماح للعراقيين بإدارة شؤونهم بأنفسهم. نتيجة لذلك، تراقب الولايات المتحدة والامم المتحدة والاتحاد الاوربي الاحداث بصورة عامة دون تدخل فيما تتواصل الخلافات بشأن كركوك وتقاسم السلطة والنفط.
رغم ذلك، فهم يتدخلون بصورة فاعلة بين وقت وآخر. تعطيل قانون الانتخاب قبل اشهر قليلة شهد وقوع الجماعات العراق في مأزق حول التفاصيل المثيرة للجدل لانتخابات السابع من اذار/ مارس، التي هددت بإخراج خطط الانسحاب الامريكي عن مسارها. ولكن حينها، تدخلت الولايات المتحدة، الى جانب بريطانيا، واقر البرلمان القانون في نهاية الامر. رغم اعادته الى البرلمان من اجل اضافة تعديلات عقب ذلك مباشرة، فقد كان البرلمان سريعا في اقراره.
ليس واضحا هذه المرة ما اذا كانت المعطيات الغربية ستحسِّن الامور او تزيدها سوءا. الشخصيات السنّية المهمة والبارزة مازالت تنافس في الانتخابات، وعلى الرغم من المنع، فإن الاستياء السنّي ليس كما كان في 2005 عندما قام معظمهم بمقاطعة الانتخابات. السؤال هو ما اذا كانت الولايات المتحدة تصب الزيت على نار الطائفية -التي كان البعض يربطها بالهزيمة- لمصلحة المتطرفين، ذلك ان الامر قد ينتهي بأخذ النزاع الى الشارع، بعيدا عن الساحة السياسية والتشريعية العراقية، حيث تصبح انذاك صراعا يأخد شكلا عنيفا وطائفيا. وما هو مشكلة عراقية الى حد بعيد، لن يعود كذلك، بل سصبح مشكلة امريكية.

 

أوباما لم يكتشف بعد مدينته الفاضلة

 

فيكتور دافنز هانسون

 في مجتمع افلاطون المثالي والفاضل، يرعى الملوك الفلاسفة والاوصياء النخبة، رعاع الشعب لاجبارهم على اطاعة الاوامر وتنفيذ الامور السليمة. ولمنع العامة من ارتكاب اية اعمال سخيفة، يضطر الاوصياء الذين يمتلكون كل السلطة والحكمة، لاختلاق بعض ''الاكاذيب النبيلة''. وبالطبع فإن وكلاء السلطة هؤلاء يعفون انفسهم من احكام معظم القوانين التي يضعونها للآخرين.
نرى في هذه الايام مثل هذا التفكير الافلاطوني، في ادارة الرئيس الامريكي باراك اوباما ولدى مؤيديها. وتحاول حكومة التكنوقراطيين المؤلفة من المثقفين الاكاديميين، الذين لا توجد لديهم خبرة عملية خارج الحياة الاكاديمية والحكومة، اصدار تشريعات يرفضها معظم الناس، ومع ذلك قررت هذه الحكومة انها ملائمة لهم وتصب في مصلحتهم.
لو اخذنا اقتراح اوباما المتعلق بالرعاية الصحية، فإن نسبة كبيرة من الامريكيين لا يثقون بالذين يديرون شبكة الخدمات البريدية، ولا يريدونهم ان يشرفوا على اوضاع ميزانية الرعاية الصحية، التي تعادل سدس ميزانية الاقتصاد الامريكي.
وعلى اي حال، فإن الرئيس الامريكي الملك الفيلسوف اوباما، يتحدث عن مقاومتنا الشديدة لقانون الرعاية الصحية، ويقول حرفيا: ''ادرك.. ما سيحدث عندما ننجز ذلك القانون. وسيعلم الشعب الامريكي فجأة ان هذا القانون سيحقق اشياء تروق له''.
وبالنسبة لسياسة الطاقة، فعلى النقيض من اوباما، يعتقد معظم الامريكيين انه يتعين استغلال الغاز والنفط والمصادر النووية الامريكية بالكامل، حتى لا نتعرض للهلاك ونحن ننتظر نشوب ثورة الطاقة الشمسية والرياح.
وفي الواقع تُظهِر استطلاعات الرأي، بشأن عدد من المسائل الرئيسة، ان معظم الامريكيين يختلفون مع جدول اوباما، الذي يشمل في البداية المزيد من الاستيلاء الفيدرالي على الشركات الخاصة، وعجزا هائلا في الانفاق، واصلاحات شاملة في شؤون الهجرة.
والسؤال المطروح هو: لماذا تثابر ادارة اوباما اذن على التمسك بهذا الجدول الذي لا يحظى بأية شعبية؟
ومثل نخبة افلاطون التي تعلم بكل شيء، يبدو ان اوباما يشعر بأن كل الجهلة الذين يعرفهم، سوف يقدّرون فجأة ارشاداته الخيرة بمجرد ان يتم اقرار هذه القوانين.
وقد روّج كاتب الافتتاحيات الليبرالي توماس فرانك في وقت من الاوقات، افتراضات مشابهة في كتابه ''ما الذي اصاب كنساس؟''. وجادل فرانك بأن الناخبين الامريكيين الجاهلين، لا يعرفون اين تكمن مصالحهم.
كما عكس كاتب الافتتاحيات في صحيفة ''نيويورك تايمز'' توماس فريدمان، وهو مؤيد آخر لاوباما، تفكير الملك الفيلسوف في مقالة كتبها مؤخرا، امتدح فيها دكتاتورية الصين المستنيرة بصورة لا تصدق.
وقال: ''بعكس الفوضى السائدة في الديمقراطية الامريكية، فإن حفنة رجال اقوياء في الصين يمكنهم نطح السياسات الضرورية برؤوسهم، لكي يمضي المجتمع الصيني قدما الى القرن الحادي والعشرين''.
يبدو ان اوباما قد اقنع نفسه الآن بأن وعده القديم بشأن الشفافية الجديدة، على وشك ان يمنح الشعب الامريكي ما يريده.
لقد نظم الرئيس الامريكي حملة ضد جماعات الضغط في الحكومة، لكن يبدو ان هناك حاجة الآن لمثل هؤلاء، لتسريع جدوله الذي يحمل عنوان ''الامل- التغيير''.
وقد سخّف اوباما، في وقت من الاوقات، فكرة جون ماكين بفرض الضرائب على ما وصفه بـ''خطط الكاديلاك الصحية الفاخرة''، ووعد عوضا عن ذلك بعدم فرض ضرائب على الذين يقل دخلهم السنوي عن 250 الف دولار. كما وبّخ الرئيس السابق جورج بوش على حماقته في دفع اصلاحات الضمان الاجتماعي، في الوقت الذي لم تتعدَّ نسبة المؤيدين لها 35%.
ولكن قرر الملك الفيلسوف الآن انه يحتاج في الواقع الى فرض الضرائب على بعض خطط الرعاية الصحية الرئيسة، حتى لو كان ذلك يعني فرض اعباء اضافية على الامريكيين الذين يقل دخلهم عن 250 الف دولار. وحتما لم يبالِ بممارسة الضغوط لإقرار التشريعات النبيلة، التي يعارضها معظم الشعب الامريكي.
وهناك تصريحات اخرى مشابهة في السابق، كتعهده بإغلاق معتقل غوانتانامو في غضون عام من بدء فترة حكمه، او اعطاء موعد نهائي للايرانيين لكي يوقفوا العمل في برنامجهم النووي. وهذه تدخل ضمن الانواع النبيلة من الاكاذيب، وهي تُظهِر لنا على الاقل، نوايا الرئيس الامريكي الطيبة واهتمامه برفاهيتنا، حتى لو كان لا يستطيع متابعة ذلك.
وثمة سمة اخرى لهذه الادارة، مشابهة لسمات ملوك المدينة الفاضلة النبلاء. فلا بد ان رجال نخبتنا الفاضلة، يمتلكون السلطة الكافية التي تعفيهم من احكام قوانينهم. فالضرائب المرتفعة يجب ان تُفرض على عدد كبير من الامريكيين، غير ان الوصي على الخزانة الامريكي، تيموثي غيثنر، يمكنه التدليس والغش قليلا بين الفينة والاخرى. والامر نفسه ينطبق على رئيس لجنة الطرق والوسائل، الجمهوري، تشارلز رانغل، الذي يشرف على سنّ قانون الضرائب.
وثري ''وول ستريت'' هذا، يحقق ارباحا طائلة، ويتنقل بطائرة نفاثة خاصة. ولكن يجوز لاوصيائنا الحكماء جمع التبرعات لحملة ''وول ستريت'' وركوب الطائرات الخاصة، اذا اضطروا لوضع الخطط اللازمة للامريكيين.
لكن ثمة فارقا بين تفكير افلاطون وجدول ادارة اوباما. فافلاطون افترض على الاقل ان الملوك الفلاسفة كانوا من بنات افكاره، وان مدينته الفاضلة غير قابلة للتحقق. اما رئيسنا الموقر واوصياؤه العصريون على العرش الامريكي، فعلى النقيض من ذلك، لم يكتشفوا ذلك الامر بعد. ولكنهم ربما بدؤوا يكتشفون صحته، عقب انتخابات ماساتسوشتس الاخيرة.
 

توتير الشرق الأوسط

 

جانا بوريسوفنا


خلال الشهور الاخيرة شهدت منطقة الشرق الاوسط تصاعدا في حالة التوتر، تزيد من تعقيدات الصراع العربي- الاسرائيلي. واذا كان من المنطقي ان تجمِّد السلطة الفلسطينية مشاركتها في المفاوضات السلمية مع الحكومة الاسرائيلية، الهادفة الى صياغة ملامح التسوية الشاملة، فلأن اسرائيل تصر على مواصلة نشاطها الاستيطاني. وهو سلوك لا يعبِّر فقط عن سوء النية، وانما يتعارض مع الاتفاقات التي توصلت اليها اللجنة الرباعية مع الاطراف المعنية، ومع اسس ''خارطة الطريق'' التي تمت المصادقة عليها، كوثيقة اساسية في تسوية النزاع الفلسطيني- الاسرائيلي.
وكما قال سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، فإن العقبة الرئيسة على طريق استئناف مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين، تتمثل في النشاط الاستيطاني الاسرائيلي، وان القرارات التي اتخذها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو (حول تجميد الاستيطان لمدة 10 اشهر) تصب في الاتجاه الصحيح، ولكنها غير كافية.
والموقف الذي عبّر عنه لافروف لا يعبِّر فقط عن قناعة موسكو، وانما هو موقف اغلبية الوسطاء الدوليين، اذ دعا بان كي مون، امام اجتماع للجنة الامم المتحدة لحقوق الشعب الفلسطيني، الى استئناف المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية. مشيرا الى ان استمرار بناء المستوطنات في القدس الشرقية والضفة الغربية، يؤثر بشكل سلبي في الجهود الدولية لاستئناف المفاوضات السلمية بين اطراف النزاع، واكد ان بناء المستوطنات ينتهك القانون الدولي، ويخالف خطة ''خارطة الطريق'' التي تنص على تجميد اسرائيل لكل الانشطة الاستيطانية، بما في ذلك ما يسمى بالنمو الطبيعي.
وذكر ان النشاط الاستيطاني يقوض الثقة بين الطرفين، ويحكم بصورة مسبقة على الوضع النهائي للمفاوضات، ويعيق تحقيق حل الدولتين، معربا عن قناعته بأن الثقة بين الطرفين تراجعت في ظل غياب المحادثات، ما ادى الى ازدياد التوتر في القدس الشرقية، وانه اذا لم يتم تحريك العملية السياسية فإن الوضع مهدَّد بالتراجع الى الوراء. المثير للدهشة ان اسرائيل اعترضت على تصريحات بان كي مون، واعتبرت انها رضوخ لضغوط الدول العربية، ما عكس تجاهلا فجاً لدور الوسطاء الدوليين وجهودهم. في الوقت نفسه تتحدث الاوساط الحاكمة في اسرائيل عن حرب جديدة يمكن ان يشتعل فتيلها في المنطقة، وتوجهت انظار المجتمع الدولي نحو حزب الله، بحجة قيامه بنشر صواريخ بعيدة المدى على مساحة كبيرة في شمالي لبنان ومنطقة البقاع. ولا شك في ان الحرب الاسرائيلية المتوقعة لن تكون موجهة الى حزب الله، وهو ما اكده قائد المنطقة الشمالية في اسرائيل، الميجر جنرال غادي ايزنكوت، قائلا ان التقارير الاخيرة حول وجود توتر على الحدود الاسرائيلية- اللبنانية، لا تعدو كونها افتراضا لا يمت الى الحقيقة بصلة.
وهو ما يعني ان الحرب المحتملة، يمكن ان تكون ضد قطاع غزة بهدف ضرب حركة ''حماس''، بعد ان وصلت مفاوضات القاهرة الى طريق مسدود، واصبح الوضع معقدا يصعب تحريكه دون تفجير صدام عسكري.
وقد يرى بعض السياسيين ان اعادة ترتيب الاوراق السياسية يحتاج الى مثل هذه الخطوة، الا ان الجريمة تتمثل في ان الحرب السابقة، والتي قيل انها استهدفت تقليم اظافر حركة ''حماس''، لم تحقق هذا الهدف، وانما تركزت على تصفية الفلسطينيين المدنيين العزّل، ما جعل منها جريمة حرب، كما جاء في تقرير غولدستون، بل جريمة ضد الانسانية! فكيف يمكن التجاوب مع منطق السياسيين المغامرين، بضرورة تحريك العملية السياسية عبر حرب في المنطقة؟ ولماذا لا يتم تحريك هذه العملية عبر إلزام اسرائيل بقرارات المجتمع الدولي، وقبول الاتفاقات التي تم التوصل اليها سابقا؟ ولماذا يجب ان يتم قتل المدنيين العزّل حتى نعود الى طاولة المفاوضات، بدلا من إلزام احد اطراف النزاع باحترام جهود وارادة الوسطاء الدوليين الذين اختارهم المجتمع الدولي لتسوية الازمة؟!
في هذا السياق عبّر سيرغى لافروف عن موقف موسكو بوضوح، واكد ان روسيا تواصل اتصالاتها مع حماس، ''لأن وحدة الصف الفلسطيني هي السبيل الوحيد لاستئناف المفاوضات السلمية بين السلطة الفلسطينية واسرائيل''.
ودعا لاستئناف المفاوضات السلمية على الاسس التي اقرها مجلس الامن واللجنة الرباعية، ولعقد اجتماع على مستوى الوزراء للجنة الرباعية، لأنه يتحمل مسؤولية الاتفاقات التي تم التوصل اليها سابقا بين الاطراف المعنية.