مطبخ بايــدن ومائدة الاجتثـاث

علي الجفال

 

حين كتبت في (المدار) قبل أسبوعين عن الاتصالات الأمريكية ببعض من شملهم قرار الاجتثاث، وقلت إن الأمريكان ابلغوا بعض هؤلاء بالاستمرار في تحضيراتهم الانتخابية دون الالتفات إلى جعجة المالكي واللامي وجوقة المنطقة الخضراء، اعترض بعض الأصدقاء، سياسيين وإعلاميين، مشككين بصحة المعلومة، بل إن صديقاً إعلامياً عربياً كبيراً اتصل بي معاتباً، معتبراً أن نشر مثل هذه المعلومات والاستنتاجات يدخل في باب تخدير الشعب ومنح فرسان الاجتثاث فسحة من الوقت من أجل المضي في تنفيذ خطط التأجيج الطائفي وإلقاء البلد مجدداً في أتون الحرب الطائفية.
والطامة عندي ليست في قصور رؤية بعض الأصدقاء لقوة الدور الأمريكي ووهم هامش استقلالية القرار العراقي، بل في الدور الأمريكي ذاته الذي استمرأ لعبة وضع الأراجوزات في مقدمة المشهد السياسي العراقي، مانحاً إياهم دوراً محدداً يتلخص في السلب والنهب وإدارة معارك طواحين الهواء بين بعضهم البعض.
أين عربدة المالكي واللامي والدباغ والصغير حول السيادة وعدم السماح لواشنطن بالتدخل في قرارات لجنة المساءلة والعدالة سيئة الصيت والأهداف؟
والأهم، ما هي ملامح التغيير في عراق ما بعد الانتخابات، مهما كانت نتائج تلك الانتخابات، طالما أن القرار العراقي يُطبخ في دائرة نائب الرئيس الأمريكي، وما على العراقيين إلا الضرس؟
قرار الاجتثاث، ووفقاً لمعلومات مؤكدة، ودون عتب أو اعتراض من احد هذه المرة، اتُّخذ في الكويت بعد إعلان تكتل علاوي- المطلك، وفور انضمام الهاشمي إليه، وبإيحاء ودعم ومباركة من طهران، وتنفيذ مباشر ودون تردد من جوقة المالكي- الجلبي، رافقه صمت أمريكي له وقع أشد من وقع الاعتراض.. لماذا؟؟
صانع القرار الأمريكي في العراق على دراية تامة بالمساحة المسموح لهؤلاء (الأراجوزات) بالتحرك ضمنها، لأنه هو من رسم أبعادها، كما أنه على دراية تامة بمدى ارتباطاتهم الذليلة ببعض العواصم الإقليمية، والأهم أنه، وربما للمرة الأولى، يتفق مع الشارع العراقي على ضرورة تحييدهم خلال المرحلة المقبلة، وربما محاكمتهم في مرحلة لاحقة، لذلك مارس نفوذه الصامت من خلال السماح لهم بالزعيق حول اجتثاث بعض القوى ولأسباب طائفية مكشوفة لضرب ثلاثة عصافير بحجر الاجتثاث، الأول كشف أبعاد ونوايا الدور الكويتي- الإيراني وارتهان الجانبين لعقدة الحروب الماضية التي جرت زمن النظام السابق، وثانيهما تقزيم الشخصيات التي هيمنت على مقدمة المشهد السياسي العراقي بفعل شعارات المظلومية والتخندق الطائفي.
وفي المقدمة من (الهؤلاء) نوري المالكي الذي فقد ظله إلى الحد الذي جعل قيادات في حزبه تفكر جلياً في إبعاده وإحلال العبادي بدلاً عنه، لأنه، وحسب احد قيادات حزبه، أصبح ورقة متهرئة تؤثر سلباً في حاضر الحزب ومستقبله، والثالث، إعطاء جرعة شعبية للقوى (المجتثة) تمنحها فرصة الاستحواذ على أكبر عدد من مقاعد البرلمان في الانتخابات المقبلة، مما سيتيح لواشنطن مرونة في سحب قواتها من العراق والإبقاء على نفوذها فيه دون تغيير يذكر، فهل ستستمر اللعبة الأمريكية بالقواعد ذاتها مع تغيير (الأراجوزات)، أم أن وقت اللعبة الأمريكية في العراق أوشك على الانتهاء؟.

 

اسرائيل.. تاريخ من الاغتيالات!

عارف العلي

 

سياسة الاغتيالات ليست جديدة على اسرائيل، فتاريخها السياسي كله اغتيالات، ويحمل قائمة لا تُعَد ولا تحصى وبطرق واساليب مختلفة، منذ ما قبل قيام ما يسمى بدولة اسرائيل عام 1948 وحتى الآن، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، عمليات اغتيال اللورد برنادوت، وعالِمَي الذرة المصريين سميرة موسى ويحيى المشدّ، وخليل الوزير (فتح)، وفتحي الشقاقي (الجهاد الاسلامي)، وابو علي مصطفى (الجبهة الشعبية)، وعبد العزيز الرنتيسي (حماس)- نيسان 2004، والشيخ الهرم المقعد احمد ياسين- آذار 2004، واسماعيل ابو شنب (حماس)- آب 2003، وصلاح شحادة قائد كتائب عز الدين القسام- تموز 2002، وابراهيم المقاومة- آذار 2003، ومحمود ابو هنود- تشرين الثاني 2001، وجمال منصور- تموز 2001، وجمال سليم- تموز 2001 الذي امتاز بخطبه الحماسية وتحريك الشارع الفلسطيني، ومحاولة اغتيال خالد مشعل في العاصمة الاردنية عمّان في ايلول 1997، ومحاولة اغتيال محمود الزهار عام 2003.
اذاً فعملية اغتيال القيادي محمود المبحوح في دبي تنضم الى حرب الظلال ايضا، وهي حرب لم تتوقف اصلا، الاشخاص الرئيسيون فيها يعيشون حياة لا يعرفها الا القلة القليلة. اذ يعيش عناصرها بعيدا عن الاضواء لكنهم ادوا ادوارا مركزية لحركاتهم واحزابهم بعيدا عن هامش العناوين، امثال عماد مغنية في حزب الله اللبناني في دمشق، شباط 2008.
اذاً، وبعد استعراض هذا الكم من الاغتيالات، يجب الا يستغرب البعض قيام اسرائيل بالضرب هذه المرة في عمق برج العرب في دولة الامارات التي يعتبرها البعض من الدول المعتدلة او الليبرالية لأنها قبل ايام قليلة كانت تستقبل وزيرا اسرائيليا في فندق مجاور لفندق (البستان روتانا) الذي اغتيل فيه المبحوح.. اذاً فاسرائيل لا يهمها لا دولة صديقة ولا دولة حليفة ولا دولة معتدلة ولا ليبرالية.. فقد ضُبطت اكثر من مرة تتجسس على حليفتها الولايات المتحدة، بل وسرقت وثائق واسرارا نووية، وكذلك تجسست على بريطانيا وفرنسا والمانيا وآخرها على مصر، وهذا ليس بغريب على هذا الكيان القائم اصلا على الاحتلال والقتل والاستيطان، بل فعلت اكثر من ذلك، فقد كانت تفجر الاحياء اليهودية في اوربا لتوهمهم بأنهم غير مرغوب فيهم في مواطنهم لتشجعهم على الهجرة الى ما يسمى بأرض الميعاد فلسطين. وفجرت مدارس للغاية ذاتها، واغتالت عائلات يهودية في فرنسا وبريطانيا وايطاليا وروسيا وفي دول عربية لأنها رفضت الهجرة الى فلسطين، وفجرت كنيساً يهودياً في ايطاليا لتثير مشاعر سخط اليهود فيها ولتدفعهم الى الهجرة، ومثلت في جثث بعض اليهود بعد قتلهم في اوربا واتهمت السكان الاصليين بذلك لاستعطاف الرأي العام العالمي لصالحها، بل واطلقت صواريخ من جنوب لبنان وغزة لتبرر لنفسها شن حرب عليها.
اذاً فلجوء اسرائيل الى حرب الاغتيالات امر على درجة كبيرة من الخطورة خاصة خارج الملعب التقليدي، اي الاراضي المحتلة.. وارسال جهاز الموساد والعملاء الى لبنان والى دول عربية اخرى لاغتيال قيادات المقاومة ان كانت لحزب الله او لحماس، هو رسالة تحمل اكثر من معنى وموجهة الى العديد من الاطراف، وهي ايضا رسالة دعم وشحن لمعنويات الجنود الاسرائيليين التي تحطمت في حرب تموز 2008 على لبنان ولإثبات علو كعب الموساد الاسرائيلي في اختراق المنظومة الامنية لاعدائهم.
وهكذا تتعدد الاساليب، وتختلف الاهداف، وتطول قائمة المغتالين، وتبقى استراتيجية تصفية من تعتبرهم اسرائيل مصدر تهديد عسكري او سياسي او علمي واحدة لا تتغير مع تغيّر الازمنة والامكنة، الامر الذي يطرح جدلية امكانية قبول اسرائيل للآخر رغم مشاريع التسوية التي تُروَّج في المنطقة العربية حاليا، وهذا يوصلنا الى نتيجة حتمية وهي ان اسرائيل مثل الافعى الصحراوية تلتهم ذيلها ان لم تجد ما تأكله! لذا لا يمكن ائتمان جانبها ابدا.

 

»نثــر« مشــروع إبداعــي طمــوح

اليسار محفوض

 

بات من المسلَّم به أن قصيدة النثر قد أخذت مكانها الطبيعي بين فنون الشعر بعد أن استطاعت أن تتجاوز التحديات الكبيرة التي واجهتها، وصار لها كتّابها المميزون يضيفون إلى تمرّدها على السائد والمألوف جمالاً أخاذاً معتمدين على اختزال الجملة وإيقاع الصورة وضغط العبارة وعنصر الدهشة وغيرها من العلامات المتوثبة التي اتسمت بها، وبعد أن كتب عنها وعليها الكثير تخرج إلى الساحة الثقافية مجلة (نثر) داعمة المكانة التي استقرت عليها ودافعة بها إلى المكانة الذروة، تبنّى إصدار هذه المجلة نخبة من الشباب تفور حماساً وتتفصَّد إخلاصاً لهذا اللون الشعري.
هذا ما يشهد به العدد الأول من مجلة (نثر) الممتلئ بالمواضيع الدسمة بدءاً من كلمة العدد التي جاء فيها: (''نثر'' مشروع طموح لاكتشاف لغة ووجهات نظر جديدة تتعدى الخطوط الحمراء كمشروع تغييري هادئ باعتبار الحياة ميدان الاختيار والتكوين الذي يساهم في ولادة كتابة من أجل التواصل)، وحتى الصفحة الأخيرة التي كان موضوعها قصيدة النثر من حسين مردان إلى يومنا هذا، (قصيدة النثر هي السؤال الذي كانت بحاجة إليه الأوساط الثقافية والوسط الشعري بشكل خاص، لاسيما وأنها شهدت تراجعاً كبيراً في مرحلة الأربعينيات، وجاءت القصيدة مكرورة عما سبقها من تجارب شعرية أكل الدهر عليها وشرب). وفي موضوع تحت عنوان (مشاهد الثقافة العراقية.. المشروع والواقع) أقتطف هذه الفقرة التي تُشخِّص المرحلة الثقافية الأولى (مرحلة التعرف على الذات المبدعة من خلال اكتشاف قدرات كتابية جديدة والانفتاح على الآخر المتقدم بتجاربه الأدبية، وقد رافق ذلك استقرار المشهد السياسي إبان العهد الملكي إلى حدٍّ ما، لذا فإن ثمرة الاستقرار السياسي والانفتاح كانت ظهور تيارات تجديدية في القصة والرواية. وتحت عنوان (موت وصايا الملك الفاسد) يقول كاتب المادة الشاعر حسن الفواز (البحث عن مشروع ثقافي عراقي مغاير ينطلق بتقديري من فكرة نقد تاريخ المشاريع الثقافية منذ نهاية الأربعينيات وإلى اليوم، تلك التي ارتبطت بأنماط التفكير البطريركي والذي هو صورة من تفكير الملك لفاسد، تلك التي اصطنعت لها أفقاً مشوشاً إزاء تاريخ التحولات الثقافية العمومية والخاصة).
هذا وقد تنوعت صفحات المجلة في عددها البكر مثل، المشروع الثقافي العراقي -هيمنة صورة الفقيه والسياسي- لكاتبه عامر الربيعي، و(حين تناسخ بيان رقم واحد) لجاسم العايف، و(ثقافات من دون امتياز) للدكتور حيدر سعيد، و(ضد الشعراء) كتبه فيتولد كومبروفيتش وترجمه يوسف بو طارق، وأبواب المجلة كثيرة لا يمكن أن نحيط بها المساحة المخصصة لي، ولكني سأمر على (إنتراكتيكا) لعبد الكريم العبيدي وأقتطف منها (أنا لا أملك في ظهيرة اغتيالي الحمراء ولا حتى الآن أو غداً سوى تلك الصرخة المدوية التي جرفتني من عوالم الدنيا كلها، وقذفت بي في ثلوج انتراكتيكا، هل سمعت صرختي في أمريكا أو انجلترا أو اليابان أو غينيا بيساو؟ لا شأن لي بذلك العالم القديم).
واخيراً.. تباركت خطاك الجريئة يا (نثر) على طريق الإبداع.

 

أبيــض الطبيــب وأســود الأفعــال

د.روضة أحمد دواليبي

 

لا يزال لباس الطبيب الأبيض وكاريزمته الاجتماعية والمهنية مثار اشتهاء العوائل لأبنائها وأحفادها، ولا يهم العوائل، التي تحلم بمكانة الطبيب لأولادها، مدى جدارتهم بهكذا مهنة ودراسة، ولا يهمها أيضاً المعدلات والكدّ الذي يحقق لهم أحلامهم ما دامت المهنة ستدرّ ذهباً.. هذه الطريقة في التفكير من شأنها إضعاف هذه المهنة الإنسانية وجعلها وسيلة للتفاخر والشكلانية الزائفة.
أُفاجأ، عندما ألتقي ببعض دارسي الطب في الجامعات الخاصة، بعدم رغبتهم في إكمال دراستهم لأن أهاليهم أجبروهم على خوض تلك المغامرة، ويفاجئني أكثر الذين اقتحموا هذه المهنة لكونها، في نظرهم، مشروعاً تجارياً رابحاً بكل المقاييس.
لا أدري ما الذي تجنيه تلك العوائل من وراء دفع أولادها للسير في طريق لا يودون سلوكه؟. ولا أدري ما الذي يجعلهم يقدمون على ذلك؟ ولا أعلم مدى فهمهم وإدراكهم لهكذا مهنة إنسانية. وهل أرمي العتب هنا على الجامعات التي تقبل الطلاب بأقل معدلات لتلتحق بصفوف مهنة أقل خطأ فيها قد يودي بحياة شخصٍ ما. هل الجشع مرة أخرى، جشع الجانبين، جانب الأهل في التفاخر من جانب وجشع الجامعات الخاصة في جمع المال من جانب آخر؟. وما دور الرقابة في هذا الأمر؟. لا يخفى على أحد الإهمال الذي يتعرض له المرضى، والموت المجاني في المستشفيات بسبب أخطاء بعض الأطباء الذين امتهنوا الطبّ/ذلك المشروع التجاري، مدفوعين بطموح المكانة الاجتماعية والمادية، والكثير من هؤلاء درسوا الطبّ في الجامعات الحكومية، ومنهم من درس خارج البلاد. إن قبول الطلاب في كليات الطبّ في الجامعات الحكومية يعتمد على معدلات تعكس مدى تفوق الطالب وقدرته على متابعة دراسته بكل جدّ.
كيف سيصبح الوضع بعد الدفعات التي تخرِّجها الجامعات الخاصة؟.
وثمة أسئلة كثيرة أُخرى ستجيب عنها الأيام القادمة، وثمة أخطاء كثيرة ستُنبَش مع مرور الوقت.
وأخيراً.. لا بدّ من القول إن وطننا، الذي يتربع على عروش قلوبنا، في حاجة الى أجيال شابة تتميز بكفاءة تخصصية عالية، تستطيع العمل بهمة على رفع سوية حياتنا اليومية في المجالات كافة دون النظر الى المكاسب الشخصية المادية والاجتماعية التي توفرها هذه المهنة أو تلك، وفي المقدمة مهنة الطبّ التي يجب أن تكون غايتها الأولى سلامة إنساننا وصحته.