|
القــذارات
الايديولوجيــة
ماذا يحدث عندما تطارد السنبلة المنجل..؟! |
|
نعمان ابراهيم حمشية
في العالم الثالث الايديولوجية تأكل
التكنولوجيا، والعودة بوتيرة سريعة إلى الاضرحة المقدسة.. الم يتحدث هوشي مينه
عن السنبلة التي تطارد المنجل..؟! لقد تحولت اعشاش تفقيس الديمقراطية الامريكية
الى اوكار لتفريخ المتطرفين ومغازلة المشاعر الدينية.
الرأسمال الغربي يقوِّم الاخلاق وسلوك الآخرين بحكم امتلاكه للرأسمال المالي
الذي يهيمن على العالم، ثقافيا وفكريا وسياسيا واقتصاديا، عبر ممارسة الابتزاز
السياسي بالضغوط الاقتصادية والمساعدات المالية المشروطة وتحقيق الاختراقات
للاجزاء الرخوة من المجتمعات، واعادة تشكيلها الثقافي عبر التدخل في التعليم
واستقطاب عناصر الشباب والنساء... يسخر احد كبار النقاد الهنود من التراتبية
التي تُصنَّف بها آداب الشعوب والأمم قائلا: (لو ان الهند هي التي غزت اوربا
وهيمنت عليها، وكانت بحالة من القوة كتلك التي تتمتع بها الدول الغربية، لكان
الاوربيون قد نظروا الى تراثهم الادبي نظرة دونية، وربما تبرؤوا من هوميروس
ودانتي وشكسبير، ووصفوا اعمالهم بالهمجية والبدائية والانحطاط).
اعوام طويلة ونحن نطحن ونستهلك ما يسمى ايديولوجيا، وظروف الحياة اجبرت الكثير
من الشباب على الوصول الى مرحلة الشذوذ الايديولوجي والعقائدي، فمنهم من ابتدأ
حياته يساريا وانتهى بعد مرحلة من السجن الى الانحراف الايديولوجي والتطرف
الديني، والتحولات العالمية الكبرى اجبرت الكثير من الشخصيات السياسية والفكرية
والاجتماعية على تغيير اثوابها بأثواب اخرى، نتيجة الهطول الايديولوجي الغربي
المشوِّه للأجسام والمخرِّب للعقول، وغدا العالم الثالث بالنسبة للغرب مقبرة
للنفايات الايديولوجية التي يريد التخلص منها، مستغلين فورة التغيير الزائف
التي اجتاحت العالم تحت مسميات شتى، كجائحة أتت على كل شيء، تحت غطاء انعدام
التوازن في العلاقات الدولية ومحاولة استثماره لفرض نظام دولي جديد. يقول احد
كبار مفكري الغرب، باسكال بروكنز، في كتابه الملفت للنظر (اكتئاب
الديمقراطيات): ''لقد جربنا كل القذارات الايديولوجية، ثم صدّرناها الى العالم
الثالث، فإذا بزعمائه يجعلون منها مكاسب وانجازات''... فمتى نكتشف اننا امام
السيطرة على الانسان والوطن العربي بأرضه وبحره وجوِّه..؟!
من أهمّ القضايا التي يواجهها مجتمعنا العربي الراهن الغزو الثقافي والفكري
لأجيالنا، هذه القوة الخفية التي تتسلل من شاشات الفضائيات الى لواقط عقولنا.
والنفايات القذرة تُقسَم الى نوعين، نوع ذي قوة صلبة، ويُقصَد بها السياسات
الاقتصادية والقوة العسكرية، واخرى ناعمة، ويُقصَد بها تعميم النموذج الامريكي
في الحياة الثقافية والاجتماعية، والاسلوب الامريكي في حياة الفرد الذي يتسلل
الى ثقافات الشعوب الاخرى واخلاقها ورؤيتها على الرغم من البعد الشاسع الذي
يفصل ما بين عقلية الانسان الامريكي وعقلية باقي شعوب الارض، ففي فيلم
(المومياء) الموجود، للأسف في الاسواق العربية، نستنتج من تهشيم الرؤوس انه لا
يمكن تحطيم رؤوس كل العرب، لكن من الممكن التسلل الى العقول وتخريبها من
الداخل. وهكذا، فجأة ودون مقدمات، يستيقظ خطر تنظيم القاعدة في العالم، ومصدره
هذه المرة اليمن، لتعود مكافحة الارهاب والقاعدة على رأس اولويات الادارة
الامريكية، ويصبح اليمن على رأس اللائحة الامريكية للدول الخطرة التي تضمّ
افغانستان وباكستان والصومال... فكيف علينا مقاومة هذا الغزو الشامل..؟!
الحرية والديمقراطية كما تراهما الولايات المتحدة تتمثلان في استمرار الحرب على
الارهاب والانظمة التي تدعمه والدول التي تحاول امتلاك اسلحة دمار شامل في
المنطقة والعالم (ايران- كوريا الديمقراطية) وعدم التطرق الى اسلحة اسرائيل
وترسانتها النووية، واقامة انظمة ديمقراطية بالإقناع الملغوم او بالاذعان او عن
طريق السلاح. ليزا تشيني، ابنة نائب الرئيس الامريكي السابق ديك تشيني التي
كانت تعمل نائبة لمساعد وزيرة الخارجية الامريكية السابقة كونداليزا رايس لشؤون
الشرق الاوسط ديفيد ويلش، كانت تعمل لتحقيق الاختراق المطلوب للمجتمعات العربية
والاسلامية والترويج للسلام والتطبيع مع اسرائيل، من خلال الاصلاحات الاقتصادية
والسياسية والتعليمية وتحسين وضع المرأة، وهذه الميادين هي الاهداف المختارة
لتحقيق الاختراق الامريكي المطلوب الذي يدغدغ احلام الناس في تحقيق التطور
والارتقاء ونشر اوهام الحرية والديمقراطية تحت السوط والبصطار العسكري الامريكي،
وهذه الديمقراطية تنسجم مع افكار الوزير اليميني الاسرائيلي المتطرف، شارانسكي،
الذي يقول في كتاب له: (ان السلام مع اسرائيل لا يمكن ان يتحقق دون احلال نظم
ديمقراطية عربية تتحرر من عقدة كراهية اسرائيل)... ما دفع عالم الاجتماع
الفرنسي الشهير، بيير بورديو، الى القول: (اليمين الخشبي في الولايات المتحدة
يدفع بالضمير السياسي والعقائدي والايديولوجي الى الهاوية)، ويدعو الى
الانتفاضة ضد ذلك الشيطان الذهبي الذي يمدّ اظافره في كمل الاتجاهات.
الحرية والديمقراطية الامريكية هما وجهان لعملة واحدة هي الصهيونية
وايديولوجيتها العنصرية المتطرفة، وما يجري في المنطقة العربية هو حلقات متصلة
في سياق استراتيجية غربية صهيونية وجدت في الصراعات البينية العربية والفتن
الداخلية المناخ المناسب ليبقي الكيان الصهيوني في حالة امان، وتقزيم الصراع
وحصره حول قطعة من الارض هنا او هناك وحول استدامة الاستيطان او تجميده، وما
يثير القلق ان الانظار التي كانت تتجه نحو عدونا التاريخي، اسرائيل، صارت تتجه
نحو جبهات اخرى، حتى غدا بعض العرب يعتقد انها اكثر خطرا من اسرائيل، وصاروا
يعتقدون انها تهدِّد امنهم الوطني... يقول شيمون بيريز: (علينا ان ندير ظهورنا
للسلام ولأية تسوية لا تُحقِّق لنا السيطرة واليد العليا).
الايديولوجيا القذرة تطالب العرب بالتطبيع مع اسرائيل وحماية امنها ووجودها،
ونسيان جرائمها ومجازرها، والتخلي عن حقوقهم وارضهم والتسليم بالأمر الواقع،
وهو سلام استبدادي مبني على شرعية الاحتلال وتكريس الاستيطان وتهجير السكان
الاصليين، وهو ما تعبِّر عنه حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية التي لا تزال
اسيرة العقل الصهيوني المتطرف وايديولوجيته العنصرية، فهي ترفض السلام العادل
مع العرب فكراً وممارسة، بينما تحلم بإقامة علاقات طبيعية معهم دون التراجع عن
الاحتلال واغتصاب الحقوق، وشيمون بيريز يؤكد تحسّن علاقات اسرائيل مع الوطن
العربي، بينما يتحدث نتنياهو عن سلام امني، وسلام اقتصادي، وسلام مقابل سلام،
في مراوغة واضحة مكشوفة للتنصل من القرارات الدولية والهروب من استحقاقات
السلام وتقزيم جوهر الصراع العربي- الاسرائيلي وتشويهه.
قذارات ايديولوجية ملوثة مسبقة الصنع جاءت من بيئة اخرى، مما يصعب امكانية
نموّها في المناخ الجديد، حالها حال من يقفز قفزات غير متوازنة في الهواء
فمصيره السقوط على الرأس وانفصام الرقبة، وها هي تذبل وتموت في العراق لتبقى
رائحة الارض والتراب المعجون بمياه دجلة والفرات في البصرة وبغداد وبابل
وكربلاء، وقبل انتهاء ولاية بوش الثانية قال مايكل اوهانلون من معهد بروكنز
للابحاث في واشنطن: (ان جميع خطوط الاتجاه التي نعتمدها هي في الاتجاه الخطأ،
ونحن لن ننتصر، وكل خطوط الاتجاه الامني تقريبا تقودك الى الاعتقاد بأننا
مهزومون). وعالم الاجتماع الشهير فرانسيس فوكوياما، صاحب كتاب (نهاية التاريخ)
الذي نُشر عام 1989، الذي يتحدث فيه عن انتشار الايديولوجيات وانحسارها في
القرن العشرين، وعن انتهاء النضال الايديولوجي، وعن كون الديمقراطية هي النموذج
الوحيد الذي يمكن اتّباعه لتنظيم المجتمعات، اعترف بخطئه، وتراجع عن افكاره في
الكتاب: (كوني اعتبرت نفسي من المحافظين الجدد، أعتقد اني شاركتهم بالعديد من
الآراء والامور المطروحة من قِبل ادارة بوش الابن، وقد توصلتُ الى نتيجة مفادها
ان المحافظين الجدد يخططون لأمور لم اعد استطيع موافقتهم عليها).
صور الضعف العربي كثيرة، منها الواقعية السياسية المفرطة في التخاذل
والاستسلام، وحين يقترن الصدأ العقلي بعامل الخوف من التفكير الحر فإن العقول
تفقد قدرتها على ممارسة وظيفتها في اتخاذ القرار السليم... يقول المخرج
الامريكي- السوري الاصل- زياد حمزة: (ان تكون مخرجا سينمائيا عربيا في امريكا
اصعب من ان تكون رئيسا عليها)، فقد اشترطوا في هوليوود تغيير اسمه للعمل معه،
فرفض... فهل نترك الامور على غاربها حتى يحلّها الحلاّل، ونردِّد مع الكسالى
مَن صبر ظفر؟!
|
|
ديمقراطية
الاجتثاث!! |
|
خيري منصور
لولا الخشية من الوقوع في التناقض او
مداواتها بالتي كانت هي الداء، لناشدتُ فقهاء اللغة وواضعي معاجمها ان يجتثوا
كلمة الاجتثاث من جذورها، وان تصبح حكرا على استخدام الاطباء الجراحين الذين
يستأصلون الاورام او الاعضاء المعطوبة في الجسد، لأن مصطلح الاجتثاث عندما
يتعلق بأي حراك سياسي او ثقافي او اجتماعي يصبح ذا مجال مغناطيسي مرعب، ومن يضع
تشريعا لاجتثاث اي طرف اجتماعي، عليه ان يتوقع بأن هذا التشريع سوف يشمله وقد
يشمل احفاد احفاده.. ويبدو ان العرب الذين يعانون من تصلّب شرايين ديمقراطي
بحاجة الى ريجيم وترشيق من طراز آخر، كي يقبل بعضهم البعض الآخر، واذكر ان
الفيلسوف سارتر سئل ذات يوم ما الذي على الديمقراطيين ان يفعلوه ازاء خصوم
الديمقراطية مما اضطره الى الصمت وهو الذي لا يتوقف عن الكلام، واخيرا قال انها
لجنة، فلو صفى الديمقراطيون اعداء الديمقراطية لأصبحوا في خندقهم وصُنفوا في
خانتهم.
اعرف بأن الواقع العربي بكل ما يعج فيه من مكبوتات طائفية ونفسية لا يستجيب
لمثل هذا السجال الذي يبدو ترفا ورفاهية، فالعرب المعاصرون يسددون مديونيات
كثيرة ومنها ما هو مقترن بربا التاريخ وما كان عليهم ان يفعلوه في القرن التاسع
عشر حاولوا فعله في نهايات القرن العشرين ثم سقطوا في بطالة فكرية وسياسية،
وعادوا الى سباتهم.
ان منطق الاجتثاث او ما يرادفه من مفردات الاستئصال لا يليق بأي حراك انساني
حتى عندما يأتي بمثابة رد فعل عنيف او ثأرية تغرف ادبياتها ومصطلحاتها من صراع
القبائل لا من صراع الاحزاب والتيارات السياسية، ويبدو ان علينا ان ننتظر بضعة
عقود اخرى كي نتخلص من المكبوتات على اختلاف انواعها ونشفى من الرواسب
الجاهلية، تلك التي دفعت شاعرنا الاول، وربما الاكبر، امرئ القيس الى طلب
النجدة من القيصر ضد ذويه، فأهداه القيصر حلة مسمومة ما ان ارتداها حتى تقرح
جلده ومات غريبا في جبل عسيب،
الديمقراطية مران، وتأهيل عبر تربويات وتدريبات، فالدرس الاول فيها هو القدرة
على الاصغاء، والاعتراف بأن هناك بشرا حقيقيين خارج الذات، لهذا كان نرجس الذي
تُنسب اليه النرجسية او عبادة الذات قليل الذكاء، وحُرم من مشاهدة صور وكائنات
قد تكون اجمل من وجهه الذي تفرغ للتحديق اليه على صفحة الماء.. لهذا عوقب
بالغرق..
نعرف بأن جرائم كثيرة اقتُرفت باسم الحرية والوحدة والديمقراطية، خصوصا عندما
تتحول هذه المفاهيم الى قبعات او خُوَذ تُلبس عندما تقتضي الحاجة،
والديمقراطيات الاكثر تداولا الآن هي موسمية، بل تكتيكية، تؤدي اهدافا وبعد ذلك
تفقد صلاحيتها.
ان مفهوم الاجتثاث هو الحد الاقصى من النبذ، وبالتالي الاعدام باسلوب إبادي
بقدر ما هو بدائي. وحين يفشل العرب في هضم ما تورطوا بابتلاعه قد يختنقون به،
لهذا يجب الا تكون اللقمة اكبر من الفم بأضعاف، وبالتالي يجب الا تكون الامنيات
تعجيزية غير قابلة للتحقق.
ما نحتاج اليه بإلحاح درامي متكرر هو قليل من التسامح، واحتمال الآخر، لهذا
اتمنى ان تعرض الفضائيات العربية مسرحية بانتظار غودو لصاموئيل بيكيت، ليس لأن
غودو لا يأتي، بل لأن من ينتظرونه يحتملون بعضهم، رغم ان روائحهم كما يقول
المؤلف لا تغري بالعناق.
|
|
الفساد
والاحتلال: منظومة متكاملة |
|
معن بشور
حين يعلن المسؤولون، في اكثر من دولة اطلسية ارسلت قواتها الى افغانستان
للمشاركة في احتلال بلد آسيوي مسلم عصّي على الهيمنة الاجنبية، انهم لن يرسلوا
اموالا الى حكومة كارزاي بسبب الفساد المستشري هناك، وحين تكشف شهادات
''لساسة'' عراقيين ساهموا في تمهيد الاجواء لاحتلال بلدهم عن حجم الفساد في
عراق ما بعد الاحتلال، وحين تنضح الصحف الامريكية وتقارير المحاسبة في الكونغرس
بفضائح شركات امريكية كبرى في صفقات عقدتها مع الحاكمين بقوة الاحتلال في
بغداد، الا يحق لنا ان نسأل عن عمق العلاقة العضوية بين الوجود الاستعماري
الخارجي وظاهرة الفساد الداخلي...
وحين نلاحظ استشراء الفساد في الانظمة الخاضعة للنفوذ الامريكي او الاجنبي في
ضوء معادلة بسيطة تقول انه كلما ازداد ارتهان الحاكم للاملاءات الخارجية ازداد
تورطه في الفساد على حساب شعبه وموارد بلاده، اليس من حقنا ان نتحدث بعد ذلك عن
علاقة وثيقة بين الفساد كمنظومة سلوك عالمية والنفوذ الاجنبي كوسيلة لهيمنة
خارجية على مقدرات الاوطان واراداتها واستقلالها.
فإذا لم يكن هناك من رادع وطني او قومي او اخلاقي يردع اهل الفساد عن بيع
وطنهم، وعن الاذعان لمشيئة المحتل واملاءاته طمعا في مال او جاه او في الامرين
معا، فماذا يردع هؤلاء اذن عن استباحة موارد بلادهم وثرواتها واموالها العامة
والخاصة لتكتمل معهم دورة الكسب غير المشروع.
فمقاومة الفساد اذن لا تنفصل عن مقاومة الاحتلال ورفض الاذعان لاملاءات المحتل،
بل هي عنوان آخر من عناوين اية مقاومة تسعى الى حرية شعبها واستقلال بلدها
ولنشر العدل في مجتمعها والعالم، ذلك ان الفساد ليس مجرد شهوة بشرية لجمع
الثروة بطرق غير مشروعة فحسب، بل هو منظومة سلوكية متكاملة تمهد للاحتلال
والهيمنة، ولبقائهما طويلا، كما انها منظومة تقوم على توزيع الفتات على
الفاسدين من اهل البلاد لكي يتمكن المستعمرون من نهب خيرات الشعوب ومواردها.
ولا نكون مغالين ابدا اذا اعتبرنا اغلب المتورطين في الفساد عملاء علنيين او
سريين لمشروع الاحتلال والهيمنة الاجنبية، واعين لما يفعلون او غير واعين، كما
لا نكون متعسفين حين نرى ان الطريق لمكافحة الفساد هو ذاته الطريق لنيل
الاستقلال او تحصينه.
ولا نكون مغالين ابدا اذا اعتبرنا ان الفساد هو خطر يتهدد الامن القومي للامم،
تماما كما هو خطر شبكات التجسس والسماح بقيام قواعد عسكرية اجنبية وتسهيل
احتلال دول مستقلة، وبالتالي فإن مكافحة الفساد بكل اشكاله هو جزء من تحصين
الامن الوطني والقومي للدول والامم على حد سواء.
وحين يضطر المحتل الى نفض يده من بعض الفاسدين من اعوانه الذين انكشف امرهم،
يسارع هؤلاء الى مراجعة سادتهم بالقول: ''الا نستحق نحن مكافأة على خدماتنا
لكم؟ الم نساعدكم بسرقاتنا المحدودة على ارتكاب سرقاتكم غير المحدودة؟''،
فيجيبهم اسيادهم بقسوة: التزموا اصمت والا سنفتح كل ملفاتكم ونتخذ بحقكم كل ''الاجراءات''.
''شجعوا الفساد في المجتمعات والدول، فبذلك تضعفون مناعتها الوطنية والقومية،
وتمهدون الطريق امامنا''، تلك واحدة من القواعد الرئيسة للاستراتيجية الصهيونية
الجهنمية التي يجري تطبيقها في فلسطين، وعلى امتداد الأمة، اذ كلما اقترب
''الزعماء'' من ممارسة الفساد بات ممكنا للصهاينة وحلفائهم اختراق الارادة
الوطنية وكسب ''الانصار'' بين ''المسؤولين''، وتحويلهم الى جلادين بحق شعوبهم.
افكار تستحق ان نتأمل بها طويلا وان نستخرج منها الدروس المناسبة والعبر
الضرورية، ونتعرف على مكامن الخلل الوطني والقومي الناجم عن الفساد، وليس فقط
الخلل الاداري والهدر المالي والانحلال الخلقي الذي يشيعه الفساد وينمو في ظله.
|
|
لجنة »تشيلكوت«
ودهاقنة الحرب والعدوان على العراق |
|
فريد فاضل
رغم التعتيم على الكثير من الحقائق التي تتعلق بالتحقيقات التي جرت في بريطانيا
مع طوني بلير والمسؤولين الذين شاركوه في غزو العراق واحتلاله، فإن ما تسرب من
معلومات حتى الآن عن هذه التحقيقات اظهر حجم الكذب والتضليل والخداع الذي مارسه
بلير، ومن معه من المجرمين، على الشعب البريطاني ومؤسساته الرسمية بهدف تمرير
قرار الحرب الى الحد الذي دفع الكثيرين من هؤلاء الى الاعتراف علنا وامام لجنة
(تشيلكوت) المكلفة بالتحقيق بعدم شرعية هذه الحرب.
ومن نافلة القول ان هذه التحقيقات، التي تشكل علامة ايجابية، وفّرت ارضية جيدة
للبريطانيين، ولاسيما عوائل اولئك الجنود والضباط الذين قُتلوا في العراق،
واتاحت لهم فرصة المطالبة بإحالة بلير ومعاونيه الى المحاكم البريطانية بتهمة
الكذب، علاوة على فوائدها السياسية والاعلامية، الا ان المطلوب هو اكثر من ذلك،
فمثلما للشعب البريطاني الحق في الاقتصاص ممن كذبوا عليه وساقوا ابناءه الى سوح
القتال في حرب عدوانية ظالمة تم شنها على شعب آمن داخل وطنه ودون اي سند قانوني
وخلافا لكل الاعراف الاخلاقية والانسانية، فإن من حق الشعب العراقي ايضا الذي
اودت هذه الحرب بحياة اكثر من مليون ونصف شهيد من ابنائه وخلّفت وراءها مليوني
ارملة عراقية و4 ملايين من اليتامى واكثر من ذلك من المهجرين في الداخل والخارج
و8 ملايين من العاطلين عن العمل يعيشون تحت خط الفقر علاوة على ما لحق بشواخصه
الحضارية والانسانية ومعالمه العمرانية والثقافية والفكرية والعلمية من تدمير
وتخريب متعمد، ان يطالب بمحاكمة بلير وإحالته مع الآخرين، من دهاقنة الحرب
والعدوان عليه، الى محكمة العدل الدولية في لاهاي بعد ان توفرت له كل هذه
الادلة القانونية والحجج القضائية من مصادر دول العدوان نفسها.
ويكفي ان نشير هنا، على سبيل المثال لا الحصر، الى شهادة النائب العام
البريطاني السابق التي اعترف فيها امام اللجنة التحقيقية بأنه (اعطى تصورا
خاطئا اجاز فيه غزو العراق عام 2003، الا ان بإمكان العراق الآن مقاضاة
بريطانيا على هذا الغزو)، علاوة على مئات الاعترافات التي صدرت عن كبار
المسؤولين في اللجان التي كانت مكلفة من الامم المتحدة بالمراقبة والتفتيش عن
اسلحة الدمار الشامل في العراق، ومنها اللجان الامريكية التي اعترفت جميعها
بخلوّ العراق من هذه الاسلحة المزعومة، وانها من الحجج الكاذبة التي تذرعت بها
امريكا وبريطانيا مع كذبة علاقة حكومة العراق الوطنية بتنظيم القاعدة لتبرير
الغزو والاحتلال.
ولهذا فإن الواجب الاخلاقي والانساني يفرض على المجتمع الدولي، بمنظماته
الانسانية وهيئاته القانونية والحقوقية، الوقوف الى جانب شعب العراق ومقاومته
الوطنية الباسلة والغيارى من ابنائه في مطالبتهم المشروعة بإخراج المحتل من
بلادهم، وإنصافهم واعادة حقوقهم المسلوبة كافة، وتعويضهم عن كل ما لحق بهم من
ضرر مادي ومعنوي بفعل هذا الاحتلال الغاشم ومن جاء معه من العملاء والخونة،
بالاضافة الى رفض وادانة تداعياته وافرازاته المقيتة من هيئات ومؤسسات وحكومات
كارتونية مصطنعة، وما صدر عنها من اجراءات تعسفية جائرة وقوانين قمعية، ذلك لأن
كل ما بُني على الباطل باطل، ولشعبنا الكبير الأمل في تلك الملايين التي خرجت
وتظاهرت ضد الحرب عام 2003 في قلب دول العدوان ان تنتفض اليوم وتطالب هذه المرة
بمقاضاة حكامها المنبوذين كمجرمي حرب وابادة الجنس البشري بعد ان ثبت لها
بالدليل القاطع انهم استهانوا بإرادة شعوبهم، وتسببوا في قتل الآلاف من ابنائها
والحقوا اضرارا فادحة باقتصادها وسمعتها امام العالم.
|