أبو حسين
والخسارات المتتالية

 

كتب: محمد القيسي

كانت التقارير العربية، التي وردت اثناء ترشُّح باراك اوباما لحكم امريكا، تشير الى تغيرات ستجري لصالح المنطقة العربية، لاسيما ان الكثير من المحللين اشاروا الى اصوله المسلمة، وذهب البعض، بكل سذاجة، الى الامثال التي تتناقلها الالسن في المقاهي (الدم يحنّ). الدراسات التي تبنّت آراء منطقية قليلة، كشفت عن اللعبة الحقيقة لتولي رئيس امريكي لسدة الحكم، وان التمويل الشعبي الذي حظي به اوباما لحملته الانتخابية ما هو الا دعاية اخرى تُضاف الى دعايات الامبراطورية الامريكية، حيث انه الرئيس الاسود الاول، مما اثار دهشة الحكومات والدراسات العربية للديمقراطية الامريكية التي تود الانتشار على مساحة الارض بالكامل.
كل تلك التقارير والآراء ذهبت قبض ريح بعجز اوباما عن حل المشكلات التي خلّفها الرئيس الامريكي السابق جورج بوش، بدءا من افغانستان والعراق ووصولا الى القضية الفلسطينية -التي كانت الرهان الاكبر- لطاقم اوباما على حلها. والشعب الامريكي الآن بدأت حماسته تقلّ عما سبق، حيث كان اللعب على وتر الازمة المالية التي تسببت بفقدان الطبقة الوسطى الامريكية على الاخص لوظائفها ورجوعها الى اقصى مرتبات الفقر، ناهيك عن قضية غوانتنامو التي وعد بحلها نهائيا، كل الحلول التي قُدمت من اوباما وطاقمه، لم تتجه في النفق المظلم الذي تراوح فيه الى اية كوة للخروج، ولم ينفِّذ من الوعود ما تجاوز الاقاويل وهي التي لم تعد تنطلي لا على على الشعب الامريكي، ولا على الشعوب العربية التي هتفت لاوباما اكثر مما هتفت لحكوماتها.
الآن، السؤال الذي يطرح نفسه بشدّة: ما الوعود التي سيقدمها اوباما بعدما جرفت موجة العجز الاوبامي وعوده القديمة؟ وما الذي باستطاعته تقديمه بعدما عادَ مثل الرؤساء السابقين لامريكا منفِّذاً للاجندات الاسرائيلية وغضّ النظر عن الجرائم التي ترتكبها صباح مساء؟. وما الذي سيفعله ازاء تحركات الحزب الجمهوري للاطاحة به بطرق التفتيش عن اصوله وانتماءاته القديمة؟. وما الذي سيفعله بعد ان فلت عقال الحكومة العراقية وعادت الى تصفية بعضها البعض بالتفجيرات والعزل والاقصاء؟.
كل الازمات التي تعرّض ويتعرض لها اوباما من دون ايّ عمل جدّي لأيجاد حلول لها في امكانها ان تؤدي الى كارثة اخرى تصيبه شخصيا، مثل الفضائح او الاغتيالات التي برعت فيها المخابرات الامريكية (السلمية). وحتى اوباما نفسه بات مقتنعا بهكذا تصرّف، فحينما تعرّض لحادث الطائرة المشهور الذي كان سيودي بحياته امّن على نفسه في احدى اكبر شركات التأمين.
اذاً فالوحل الذي ادخل اوباما نفسه فيه، بدا يتصاعد حتى صدره، وفي إمكان التصرفات والتصريحات الواردة من تل ابيب ان توصل الوحلَ حتى رأس اوباما، لاسيما التصريحات الاخيرة التي تُشير الى ان اوباما الابن البار والابن الضال الذي عاد الى اسرته ومصلحته مجددا، وبذلك يكون الشاب الوسيم القادم من غينيا نجما لفشل امريكي جديد.

 

فــي جريمــة الحــرب علــى العــراق
براون وبلير وجهان لعملة واحدة

 

المدار/ وكالات

كشف استطلاع جديد للرأي، اجرته مؤسسة (كومريس) لصحيفة (اندبندنت)، ان معظم البريطانيين يعتقدون ان رئيس وزراء بلادهم غوردون براون يشترك في تحمّل المسؤولية عن الحرب في العراق مع سلفه توني بلير، في وقت طالب ادوارد ديفي، وزير خارجية الظل في حكومة حزب الديمقراطيين الاحرار المعارض براون بتفسير عدم تحركه لوقف حرب العراق. ووجد الاستطلاع، الذي شمل 1001 ناخب، ان 60% من هؤلاء بما فيهم غالبية انصار العمال، يرون ان زعيم الحزب الحاكم براون يتحمل الكثير من اللوم على غرار سلفه، ويريدون ان يقبل بتحمّل نصيبه من المسؤولية. واوضح ان 60% من البريطانيين من بينهم 52% من ناخبي العمال و68% من ناخبي حزب المحافظين و62% من ناخبي حزب الديمقراطيين الاحرار، يعتقدون ان براون يتحمل مسؤولية لا تقل عن مسؤولية بلير في غزو العراق.
واضاف الاستطلاع ان 37% من البريطانيين من ضمنهم 27% من انصار حزب العمال، ايدوا محاكمة بلير بسبب اشراكه بلادهم في غزو العراق، فيما دعا اربعة من بين كل عشرة منهم الى محاكمته بتهم ارتكاب جرائم حرب.
ولاحظ الاستطلاع ان الشبان البريطانيين هم الاكثر عدائية تجاه رئيس وزرائهم السابق بلير، وايد 46% منهم، ومن الفئة العمرية 18 الى 24 عاما و43% من الفئة العمرية 25 الى 34 عاما، محاكمته بتهم ارتكاب جرائم حرب بالمقارنة مع 25% من البريطانيين من الفئة العمرية 65 عاما فما فوق.
وذكر الاستطلاع ان مرور الوقت لم يفعل شيئا يُذكر لتتغير نظرة الجمهور البريطاني حيال حرب العراق، ورأى 63% منهم انها فاشلة فيما اعتبرها 29% ناجحة. واشار الى ان 68% من البريطانيين، رأى ان تحقيق تشيلكوت، الذي تجريه حكومة بلادهم بشأن حرب العراق، لم يبلغهم بما لا يعرفونه عن اسباب الذهاب الى الحرب.
في السياق نفسه، قال ادوارد ديفي، وزير خارجية الظل في حكومة حزب الديمقراطيين الاحرار المعارض في بيان، ان مزاعم وزيرة التنمية الدولية السابقة كلير شورت لدى الادلاء بشهادتها امام لجنة التحقيق في حرب العراق ان براون جرى تهميشه من قبل توني بلير خلال مرحلة الاعداد للغزو (لا تبدو واقعية، والحقيقة البسيطة هي انه وقّع على الصكوك المصرفية لهذه الحرب الكارثية).
واضاف: (كان براون، واحدا من بين عدد قليل من الوزراء، يملك السلطة وقتها لوضع العراقيل امام توجهات بلير نحو الحرب، وكانت لديه قدرة فعالة على الرفض، لكنه وبدلا من ذلك اختار الا يفعل شيئا، وعليه ان يفسّر فشله في التحرك).

 

اليمن السعيد على حافة الهاوية الأمريكية

 

المدار/ وكالات

اوضح مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الادنى، السفير الامريكي جيفري فيلتمان، ان (اليمن كان في قمة اولويات السياسة الخارجية الامريكية منذ ادارة الرئيس باراك اوباما الذي تولى منصبه قبل عام واحد). جاء ايضاح فيلتمان خلال شهادته امام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب في جلسة بعنوان (اليمن على حافة الهاوية)، موضحا انه (نظرا لخطورة وتعقيد الوضع في اليمن، فقد افردت له ادارة اوباما بعد فترة قصيرة من تولّيه منصبه حيزا من الاهتمام)، واوضح ان: (الاستراتيجية الامريكية حيال اليمن ذات شقين، يتمثل اولهما بدعم اليمن ومساندته في الجانب الامني، ثم بتعزيز الحكم ودفع التنمية الاجتماعية على الجانب الاقتصادي، مشددا على ان التركيز على شق واحد واستبعاد الآخر هو »ببساطة لن يجدي نفعا«).  واعتبر فيلتمان ان (الهجوم الارهابي يوم 25 ايلول/ سبتمبر في السماء قرب ديترويت كان بمثابة دعوة للاستيقاظ لتنامي قدرات تنظيم القاعدة في اليمن لتنفيذ هجمات خارج الشرق الاوسط)، وحثّ على (تشجيع الخطوات الاخيرة للحكومة اليمنية، خصوصا في دعم حقوق الانسان ومكافحة الفساد واستعدادها لمواجهة تهديد تنظيم القاعدة ذي الصلة بالمتشددين في البلاد)، واوضح قائلا: (نحن ندعم جهود الاصلاح الحكومية، والمبادرات التعليمية والتدريبية، وبلورة المجتمع المدني من اجل تعزيز الشفافية في الحكم على نحو افضل، وتحسين حماية حقوق الانسان، والتأكد من ان الشعب اليمني يمكن ان يشارك في صياغة ومعالجة الاولويات الوطنية).

 

الجامعة الهولندية الحرة وفضيحة التعليم في العراق

 

المدار/ بغداد المحتلة

الفوضى الخلاقة المدمِّرة، ذلك العنوان الذي وصفت فيه كونداليزا رايس المشهد العراقي، هل سيستمر؟ والى متى سيستمر؟.
التعليم العالي في العراق، كأي قطاع آخر، اصابته هذه الفوضى، ولكل فوضى (فيضان) هناك من يركب موجاته، ويوظفها لكسب المال، الجاه، السلطة، الشهرة، وهناك من تبتلعه الموجة، وغالبا ما يكون المبتلِع ابناء الشعوب.
لفيف من الطلبة المبتلين بأحد شواهد تلك الفوضى راسلوا (المدار) مستنجدين بها لتطرح معاناتهم على (اولي الامر) لانقاذهم من حالة نصب واحتيال مارستها بحقهم الجامعة الهولندية الحرة.
يقول هؤلاء الطلبة ان تلك الجامعة تم طردها من اتحاد الجامعات الهولندية الخاصة، من رئيس الاتحاد اعلاه، ان قرار طردها كان بسبب عدم التزامها بالمقاييس المطلوبة عند منح الالقاب العلمية، ونشر معلومات غير دقيقة حول الجامعة، والتي تم طرد رئيسها السيد اكرم كسار، استلمت تحذيرات كثيرة لتجاوز سلبياتها حيث تم تحذيرها وبوثائق من قِبل:
ا- وزارة التعليم العالي الهولندية.
ب- وزارة التعليم العالي السويدية.
ج- لجنة خاصة من وزارة التعليم العالي الهولندية.
د- اتحاد الجامعات الهولندية الخاصة .
اكد وزير التعليم العالي الهولندي، في رسالته للسيد اكرم كسار، انه قام بتوجيه رسالة الى اتحاد الجامعات العربية وبعض المؤسسات المعنية الاخرى لتلافي المزيد من الدمار للتعليم العالي الهولندي.
يقول الطلبة انه، ورغم ان أُسس التعليم عن بعد تمنع تماما منح الشهادات للاقسام التي تتطلب مختبرات وتدريبا عمليا، فإن الجامعة منحت 3 شهادات في الفيزياء النووية، ومنحت اكثر من 40 طالبا شهادة الصيدلة من تكريت فقط، ومنهم باسم صبار واسعد عبد الستار محمد وماهر محمد منصور وسلطان ابراهيم خلف وغيرهم الكثير من المساكين الذين تم ابتزازهم، وهذا ما جعل الجامعة تستلم ستة ملايين دولار من مكاتبها في العراق.
يستغرب الطلبة انه، رغم ان وزارة التعليم العراقية اكدت بكتابها الصادر في حزيران/ يونيو 2009، والذي جاء على اثره امر رئيس الوزراء عدم الاعتراف بالجامعة واغلاق مكاتبها في العراق، الا ان المكاتب ظلت صامدة، ومنحت اكثر من 100 عضو فمن اعضاء مجلس نواب شهادات مختلفة.
اما آن الأوان لإيقاف مارثون المهازل هذا وانصاف الطلبة الذين ضاعت اموالهم وجهودهم؟.. سؤال فقط تضعه (المدار) على طاولة السيد وزير التعليم العالي.... بانتظار الرد.

 

بعــد إحبــاط مؤامــرة المساءلــة والعدالــة قضائيــاً
هل يصطف »المجتثون« إلى جانب الشعب العراقي؟؟

 

كتب: المحرر السياسي

اخيرا قطعت الهيئة التمييزية التي شكّلها البرلمان العراقي، والتي اوكل اليها مهمة التدقيق في الطعون التي قدمها اكثر من 572 شخصية مرشحة للانتخابات التشريعية، الشك باليقين، وذلك بعد ان الغت قرارات هيئة المساءلة والعدالة، وابلغت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات قرارها الذي يقضي بمشاركة الجميع باستثناء الكتل والقوائم التي قدمت بدلاء عن اسماء من شُملوا بالاجتثاث.
وبموجب هذا القرار فإن الرابح الاكبر من هذا القرار هو رئيس الجبهة الوطنية للحوار الوطني، صالح المطلك، المتحالف مع زعيم القائمة العراقية اياد علاوي والذي من المتوقع ان يحصد نسبة كبيرة من الاصوات على اثر الموقف الصعب الذي وضعته فيه اجراءات المساءلة والعدالة في غضون الفترة الماضية، وهو امر استدعى تدخلا دوليا وامميا سواء من قبل الولايات المتحدة الامريكية ام الامم المتحدة، بالاضافة الى المواقف الاقليمية التي دعت الى اوسع مشاركة في الانتخابات المقبلة.
وكانت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، التي طالبت الهيئة التمييزية بالبتّ في اجراءات هيئة الاجتثاث في غضون يومين بسبب ضيق الوقت، اعلنت الاربعاء الماضي ان الهيئة التمييزية التي تنظر بالطعون المقدمة من قبل المستبعَدين من الانتخابات، قد الغت قرارات هيئة المساءلة والعدالة، وسمحت للاشخاص والكيانات المستبعَدة بالمشاركة في الانتخابات ما عدا الذين قدموا بدلاء عنهم.
وقالت نائبة رئيس المفوضية العليا للانتخابات امل البيرقدار: (ان المفوضية أُبلغت من قبل الهيئة التمييزية التي تنظر في الطعون التي قُدمت من قبل المستبعَدين من الانتخابات، بإلغاء قرارات هيئة المساءلة والعدالة والسماح للمستبعدين بالمشاركة فيها).
من جهته عبر الدكتور ظافر العاني عن فرحته ازاء صدور هذا القرار الذي وصفه بالعادل. وقال ان المفوضية ابلغتهم رسميا بقرار هيئة المساءلة والعدالة، معتبرا ان هذا القرار نصر للعدالة، وانه عبّر من جديد عن حيادية القضاء العراقي.
واستبعد العاني وجود ضغوط سياسية على هيئة التمييز لاستصدار هذا القرار قائلا ان العكس هو الصحيح حيث مورست ضغوط على الهيئة التمييزية لعدم اتخاذ هذا القرار.
واشار انهم كانوا يعتقدون بعدالة موقفهم، وان كل ما جرى انما تم اتخاذه لاسباب سياسية ومن اجل عودة الاصطفافات الطائفية مجددا الى المشهد السياسي.
وفي الوقت الذي عمت فيه مظاهر الارتياح في اوساط المستبعدين فإن من المتوقع ان يمثل هذا القرار خيبة امل للقوى السياسية التي سعت الى تصفية حساباتها مع هذه القوى التي يمثلها الكثير ممن تم استبعادهم.
وفي هذا السياق فإنه سوف يتم حساب جديد للكتلة التي يتزعمها اياد علاوي بسبب ان غالبية من تم استبعادهم من اعضائها مما يعني انها سوف تحصل على نسبة عالية من التصويت اثناء الانتخابات.
وكانت بعثة الامم المتحدة في العراق قد طالبت في وقت لاحق، الاربعاء الماضي، بعدم شطب اسماء المرشحين من القوائم الانتخابية الذين شُملوا باجراءات هيئة المساءلة والعدالة الا بعد ان يتم البتّ في الطعون التي قدموها للقضاء العراقي بصورة صحيحة. وقال الممثل الخاص للامين العام للامم المتحدة في العراق، اد ميلكرت، في بيان له ان المنظمة الدولية تطالب السلطات العراقية بإبقاء اسماء المرشحين المستبعَدين في قوائهم الانتخابية، وعدم شطبها الا بعد التأكد من صحة قرارات الاستبعاد بشكل نهائي عبر القضاء العراقي. ويرى مراقبون ان قرار هيئة المساءلة والعدالة قد منح (المجتثين) زخما جماهيريا كبيرا سيضيف الى حضورهم في البرلمان المقبل قوة قد تشكل انعطافة مهمة في خارطة المشهد السياسي القائم في العراق منذ الاحتلال، وتساءل المراقبون عن مدى استيعاب هؤلاء (المجتثين) للدرس الطائفي الذي كان على وشك تحقيق اهدافه الضيقة، وبالتالي السؤال عن قدرة هؤلاء على الاصطفاف الى جانب قضايا الشعب العراقي وانتشاله من فوضى الامن والجوع والبطالة؟؟

 

سلام فياض: رجل المشاريع الملتبسة..

 

كتب: حسام كنفاني

يمكن القول ان سلام فياض رجل السياسات الملتبسة، في ظل هيمنته على المشهد الداخلي في الضفة الغربية وتفرّغه للخطط الاقتصادية، بطريقة تذكِّر برئيس الحكومة اللبنانية السابق فؤاد السنيورة، مع الفارق ان خطط فياض مرتبطة بمشروعه (الاستقلالي البديل)، مع ما فيه من مكافحة لـ(العنف) بمفهومه الاسرائيلي، بما يضمن استمرار تدفّق اموال المانحين. يطلّ رئيس حكومة تصريف الاعمال الفلسطينية، سلام فياض، اليوم من على منبر مؤتمر هرتسليا للامن القومي الاسرائيلي. الخطوة بحدّ ذاتها ليست سابقة فلسطينية، وخصوصا بالنسبة الى فياض، الذي سبق ان شارك في المؤتمر في كانون الثاني/ يناير 2007، قبل تولّيه رئاسة الحكومة الفلسطينية. حينها، كانت المفاوضات مع حكومة ايهود اولمرت لا تزال قائمة. وربما هذا يبرّر ما قاله، في حضور زعيم تكتّل (الليكود) في ذلك الحين بنيامين نتنياهو، (اسعى من اجل روابط سياسية قوية مع اسرائيل، واسعى من اجل روابط اقتصادية قوية بين دولتَي اسرائيل وفلسطين المستقلتين). غير ان الوضع اليوم مختلف تماما، ولاسيما في ظل مقاطعة السلطة اللقاءات مع المسؤولين الاسرائيليين، ووضعها مجموعة من الشروط لعودة مثل هذه الاجتماعات. في ظل هذا الوضع، من غير الممكن تبرير ظهور فياض على منبر مخصّص لبحث (الامن القومي الاسرائيلي). وقد فصّل المنظّمون هذا الامن في اطار إعدادهم للمؤتمر ووزعوه على عناوين، وضعوا العملية السياسية في نهايتها. وبحسب جدول الاعمال، فإن التهديدات للامن القومي الاسرائيلي تتوزع على الشكل الآتي: (المشروع النووي الايراني، ومكانة اسرائيل في الساحة الاعلامية العالمية، والازمة الاقتصادية العالمية، والتوجهات الاستراتيجية في اوربا والولايات المتحدة واسرائيل، والعملية السياسية في الشرق الاوسط).
مثل هذه العناوين والوضع التفاوضي القائم، لم تمنع مشاركة سلام فياض، الذي من المقرّر ان يقدّم ورقة للبحث في المؤتمر. الورقة لا شك ستتمحور حول العملية السياسيّة و(العيش المشترك) بين الاسرائيليين والفلسطينيين. غير ان مشاركة رئيس حكومة تصريف الاعمال في مؤتمر يحمل مثل هذه العناوين، تُعَدّ رسائل في اتجاهات قد لا ترغب السلطة في توجيهها، ولاسيما بالنسبة الى ايران، التي تعدّها اسرائيل (الخطر الوجودي الاول). واذا وضعنا خرق فياض لفكرة التواصل الاسرائيلي الفلسطيني جانبا، فكيف يمكنه ان يكون مستشارا للامن القومي الاسرائيلي، حتى لو اراد الاضاءة عليه من جانب درء الخطر المقبل من الشرق والجنوب، عبر السماح بإقامة دولة فلسطينية؟ لكن في كل الاحوال، من غير المسموح ان يكون سياسي فلسطيني، وخصوصا في ظروف العملية السياسية الحالية، ناصحا او مرشدا لمسار الامن القومي الاسرائيلي، حتى وان كان تحت عنوان (قيام الدولة الفلسطينية) وفي ظلّ (حريّة تعبير مطلقة). فما سيقال، حتى وان كان مغايرا لما تريده اسرائيل، سيوضع تحت مظلة المصلحة الاسرائيلية العليا. ويمكن طرح سؤال آخر عن مدى تناغم فياض مع سياسة السلطة الفلسطينية، او مدى صدق السلطة عموما مع الشعارات التي ترفعها. فإذا كانت اللقاءات الاسرائيلية الفلسطينية محظورة، فكيف يمكن ان تفسِّر رام الله مشاركة فياض في مثل هذا المؤتمر، ولقاءه شخصيات اسرائيلية على اعلى مستوى، وفي مقدّمهم وزير الحرب ايهود باراك، الذي تصادفت كلمته في اليوم نفسه مع كلمة فياض. وفياض اليوم لا يمثّل نفسه، كما كانت عليه الحال في عام 2007، بل يحضر مؤتمر هرتسليا بصفته رئيس وزراء السلطة الفلسطينية، وبالتالي من غير الممكن ان تكون المشاركة من دون ضوء اخضر من رئيسها محمود عبّاس، ضوء اخضر يعني بدء التخلّي عن شروط اللقاءات، التي يُسقِطها ابو مازن الواحد تلو الآخر في اطار تدريجي غير مباشر. لقاءات فياض مؤخرا في (مؤتمر الامن القومي الاسرائيلي) هي احد تجلّياتها، امّا اذا كانت المشاركة من دون موافقة مسبقة، فتلك مصيبة اعظم، تؤكّد ان فياض يغرّد وحيدا خارج سرب السياسة الفلسطينية العامة خدمة لمشروعه الخاص الذي اعلنه قبل فترة، والقائم على تهيئة الارضية لقيام الدولة الفلسطينية خلال عامين. وفي الحالتين، فإن وجود فياض في هرتسليا، سواء بموافقة السلطة ام من دونها، يصبّ في خانة تمايز رئيس حكومة تصريف الاعمال عمّا عداه من الساسة الفلسطينيين، تمايز يعبّر عنه في التوجه الذي يتبنّاه لإرساء اسس (الدولة الفلسطينية) بناءً على مفهوم يتناقض مع القضية الفلسطينية عموما، اذ يقوم على اساس ان العنف هو المشكلة. وها هو يقرّ، في كلمته امام مؤتمر (دافوس) بأهمية (التوافق الامني) بين سلطة رام الله وغزّة، على اعتبار ذلك أهم من التوافق السياسي، ليتفاخر بـ(وقف الهجمات على اسرائيل) في غزة، وقد عدّ ذلك مكسبا ينبغي الاستفادة منه. خطة فياض، التي تركِّز على بناء المؤسسات باعتبارها البنى التحتية للدولة الفلسطينية، تحاول تحويل القضية الفلسطينية الى مسائل هامشية على غرار الوزارات والمصانع، التي ينشغل رئيس حكومة تصريف الاعمال بتدشينها على مدى ايام الاسبوع.
فكرة فياض تقوم على لجوء الفلسطينيين الى بناء المؤسسات لتقديمها الى المجتمع الدولي على اعتبارها دليلا على كفاءة الشعب الفلسطيني وقدرته على ادارة شؤونه بنفسه. على هذا العنوان يقوم جهد سلام فياض. ورغم المحتوى المبهر الذي يسعى الى اظهاره، الا ان عنوان فياض يبدو غريبا عن جوهر القضية، الذي لا يقوم على فكرة الكفاءة او المؤسسات، بقدر ما هو على الحقوق المشروعة لشعب تحت الاحتلال، والنهب المستمر للاراضي والبناء الاستيطاني غير المدرج في خطة فياض. الانكى من ذلك، ان مثل هذا الفحوى يستهوي المستوى السياسي الاسرائيلي، الذي تهمّه فكرة بناء مؤسسات السلطة، وخصوصا الامنية كما يفعل سلام فياض اليوم، لتكون ضامنة لأمن الدولة العبريّة. مشروع يتماهى الى حدّ كبير مع فكرة الادارة المدنية التي كانت تطرحها اسرائيل للاراضي الفلسطينية، وما الاعتراض على مشروع فياض الا لتحسُّب الاسرائيليين من وجود (بند سرّي) ينص على اعلان الدولة من جانب واحد. لكن حتى اذا كان وجود هذا البند صحيحا، فإن تطبيق الخطة لا يتعدى قيام الدولة ذات الحدود المؤقتة، باعتبار انه لا موافقة اسرائيلية على الترسيم ولا على تسليم المعابر الحدودية، لتبقى مثل هذه الدولة، لو تم الاعلان عنها، بمثابة حكم ذاتي فلسطيني لا يتمتع بأي نوع من السيادة البرية والبحرية والجويّة. على هذه الاسس تقوم خطة سلام فياض، التي يحاول تلوينها بين الحين والآخر، لمراعاة الاجواء الحامية في الضفة الغربية، ولاسيما بعد عملية الاغتيال الاخيرة لثلاثة من كوادر (فتح) في نابلس. عملية اثارت قلق فياض، ليس حزنا على الشهداء، بل لما احدثته من تململ في اوساط قادة الجناح العسكري للحركة، الذين سبق ان نسّق عمليات وقف مطاردة الاحتلال لهم، في مقابل القاء سلاحهم، تململ انعكس ارتفاعا في الاصوات المطالبة بالعودة عن التنسيق الامني مع جيش الاحتلال واستعادة زخم المقاومة في الضفة الغربية، وهو ما يخشاه فياض لما يحمله من مخاطر على (بناه التحتية). ومع عدم قدرته على التخفيف من هذا التوتر، ولاسيما في ظل انسداد افق العملية السياسية، حاول فياض ركوب الموجة الشعبية بأسلوبه الخاص، حين ترأس حفلة احراق منتجات المستوطنات الاسرائيلية، وتوجّهه لمواساة عائلات الشهداء الثلاثة في نابلس، اضافة الى تثمينة للحركات الاحتجاجية الاسبوعية في بلعين ونعلين والمعصرة، وهدف فياض من هذه الاجراءات الى محاولة تطويق الحركة الاحتجاجية، وضبطها والحؤول دون تطورها ورسم سقف متدنٍّ لحركتها. سقف فياض لا يخرج عن الاحتجاجات الاسبوعية على الجدار. اما ان تتحوّل الى حرق اطارات وقطع طرق ومواجهات مباشرة مع قوات الاحتلال، فهذا بالنسبة اليه خط احمر. مثل هذا الانفجار هو اكثر ما يخشاه فياض، اذ انه يأخذ القضية نحو مشروع استقلالي آخر يتجاوز مشروعه (الحضاري)، الذي لا يعترف بأية حركة احتجاجية تتخطى المسيرات السلمية وعزف الغيتار امام الجنود، وقد يقبل على مضض بإلقاء بعض الحجارة. (حضاريّة) سلام فياض هذه قادته الى هرتسليا بذريعة مخاطبة المجتمع الاسرائيلي مباشرة، متجاهلا ان اية تظاهرة او مواجهة في رام الله قادرة على توجيه رسائل الى هذا المجتمع تفوق بأطنان ما قد يقوله فياض من كلام. فالتجارب مع الاسرائيليين ارست معادلة تقوم على التهديد كوسيلة لإعلاء اصوات (اليسار) المطالب بالانسحاب، على عكس ما يقوم به فياض وابو مازن اللذان من الممكن ان يكونا أبوي الصعود اليميني الحالي في الدولة العبريّة. قالوا فيه: يُعَد سلام فياض المفضل لدى المسؤولين الامريكيين، الذين ضغطوا لتعيينه وزيرا للمال في حكومة الزعيم الراحل ياسر عرفات عام 2002. تحدث عنه المسؤولون الامريكيون والاسرائيليون بالكثير من الاعجاب. ومن ابرز الامثلة:
- وصفه الرئيس الامريكي جورج بوش، قائلا: (انه رفيق جيد).
- وصفه نائب وزير الخارجية الاسرائيلي داني ايالون قائلا: (انه شخصية تتميز بالوجاهة في الغرب، ويرونه بمثابة الشخص الذي يتحدث لغتهم، والثقة اللامحدودة التي حصل عليها من الامريكيين هي التي منحته القوة). - وصفه مدير البنك الدولي في غزة والضفة الغربية نيغيل روبرتس قائلا: (اكنّ له احتراما عظيما باعتباره وزيرا شجاعا ومسؤولا). واليوم يتمتّع فياض بالدعم الاوربي المطلق، فهم يرون انه الضمانة لمرور اموال الدول المانحة.

 

علــى ذمــة المخابــرات الامريكيــة
»11 سبتمبر« جديد خلال أشهر

 

المدار/ وكالات

اعتبر مدير المخابرات الامريكية، دينيس بلير، ان الولايات المتحدة ستبقى هدفا للقاعدة طالما بقي اسامة بن لادن ومساعده الاول ايمن الظواهري على قيد الحياة وفارَّين، وقال: (نعتبر انه طالما لم يمت اسامة بن لادن وايمن الظواهري ولم يتم اعتقالهما، فإن القاعدة ستحافظ على عزمها القوي في ضرب الولايات المتحدة)، واضاف ان (القاعدة لا تزال تعتزم شن (هجوم واسع النطاق بهدف ايقاع عدد كبير من الضحايا والتعرض للاقتصاد الامريكي).
واشار الى ان منع المنظمة المتطرفة من الحاق الاذى، يتطلب ضرب القاعدة. واوضح بلير (طالما ان عمليات مكافحة الارهاب التي تستهدف مخابئه وكوادره الرئيسة لم تنجح في منع المنظمة من احياء نفسها، فإن تنظيم القاعدة سيواصل التخطيط لشن هجمات).
واضاف بلير، في شهادة امام لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ الامريكي، ان تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية قام على ما يبدو بتوجيه الشخص المشتبه فيه في التفجير الفاشل عمر الفاروق عبد المطلب، ووفر له التدريب والمتفجرات.
وقال بلير: (مازلنا نستكشف اصل هذه المؤامرة والمؤامرات الاخرى في الداخل التي ربما يكون تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية والمتطرفون اليمنيون المرتبطون به يخططون لها)، و(نشعر بقلق من انهم سيواصلون محاولة فعل ذلك، ولكننا لا نعرف الى اي مدى هم مستعدون لتوجيه الكوادر الاساسية لهذا المجهود في ضوء التركيز الاساس للجماعة على العمليات الاقليمية).
وقال بلير ان هذه الجماعة تركز على توسيع صفوفها والتآمر في اليمن والسعودية.
واعرب بعض اعضاء مجلس الشيوخ عن قلقهم من منح عبد المطلب حقوقا مدنية قانونية قبل امكان استجوابه بشكل كامل عن هذه المؤامرة.
ورد بلير على ذلك بأنه لا بدّ وان تكون هناك مرونة لاتخاذ القرارات على اساس كل قضية على حدة بشأن ما اذا كان هؤلاء المشتبه بهم يجتازون عملية قانونية مدنية ام عسكرية.
من جهته قال مدير وكالة الاستخبارات الامريكية المركزية (سي.آي.ايه)، ليون بانيتا، ان وكالته تتوقع محاولة تنظيم القاعدة شن هجوم على الولايات المتحدة خلال الاشهر الثلاثة الى الستة المقبلة.
واضاف (بانيتا)، امام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، ان التنظيم الارهابي يقوم بإرسال عملائه الى الولايات المتحدة للقيام بهجمات جديدة، وان هذا الامر يجذب المتشددين المحليين للقيام بأنفسهم بعمليات عنيفة.
وذكر بان اكبر تهديد سنواجهه هجوما شبيها بـ11 سبتمبر/ايلول موضحا ان القاعدة تتبنى وسائل يصعب في معظم الوقت ملاحظتها.
وقال ان القاعدة تعتمد اكثر فأكثر على المجندين (الجدد) الذين يملكون خلفية ارهابية قليلة، وهم مدربون لاستخدام اجهزة بسيطة مثل ما حدث في محاولة تفجير الطائرة الامريكية بالقرب من ديترويت في عيد الميلاد السابق.
وبهذا الصدد قال مسؤول يشرف على التحقيقات مع المتهم بالهجوم النيجيري عمر فاروق، ان المتهم يتعاون مع المحققين منذ اسبوعين، وانه زوّد مكتب التحقيقات الفيدرالية بمعلومات استخباراتية مهمة يتم متابعتها داخل الولايات المتحدة وخارجها.

 

اتصالات سرية مكثفة
لاستئناف المفاوضات على اساس خطة امريكية من ثلاثة مراحل

 

المدار/ خاص

قالت مصادر دبلوماسية واسعة الاطلاع ان اتصالات سرية مكثفة تجري بين الادارة الامريكية واسرائيل والسلطة الفلسطينية بدعم جهات عربية واوربية لاستئناف المفاوضات، استنادا الى صيغة مناسبة لا تُظهِر الجانب الفلسطيني بمظهر الطرف الذي تنازل عن اشتراطاته بالنسبة لتجميد الاستيطان في القدس الشرقية.
واكدت المصادر الدبلوماسية ان العرض الامريكي، الذي وافقت عليه اسرائيل، ينص على اجراء مفاوضات من ثلاث مراحل، تبدأ المرحلة الاولى بمفاوضات غير مباشرة من خلال وساطة امريكية عربية بين الجانبين، وعنوان هذه المرحلة (فحص جدية ونوايا الطرفين)، وتستمر لمدة شهر، يليها المرحلة الثانية عبر اتصالات على مستوى اعلى تمهيدا للمرحلة الثالثة التي تنص على عقد لقاء بين رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس الوزراء الاسرائيلي.
ويشكل بداية اتصالات ماراثونية تأمل واشنطن ودول عربية ان يتمكن الجانبان في نهايتها من الوصول الى اتفاق سلام دائم ينهي الصراع، ويحقق اقامة دولة فلسطينية بترسيم حدود متفق عليها، ويوفر لاسرائيل ما تطالب به من اعتراف بيهوديتها وتعزيز لأمنها.
وتتوقع المصادر ان تُستأنف المفاوضات خلال الاسابيع القليلة القادمة دون تضخيم اعلامي، غير ان المصادر اضافت ان الخطة الامريكية، هي خطة لادارة الصراع وابقاء الامور في حالة حراك دائم وكسر الجمود، واشاعة اجواء من الاستقرار تحتاج اليه الولايات المتحدة في المرحلة القادمة.

 

جدٌّ هنا.. ولعبٌ هناك

 

فهمي هويدي

لماذا تحقق مصر انجازاتها الكبيرة في مباريات كرة القدم في حين تخيب جامعاتها ولا تُذكر في اي تصنيف عالمي محترم، وتعجز عن ازالة القمامة من العاصمة؟ السؤال تتداوله بعض الألسنة بعدما انتهت الفورة وجاءت الفكرة. وهو ما سمعته من اكثر من واحد. احدهم سأل: لماذا لا يُعيَّن الكابتن حسن شحاتة رئيسا للوزراء لكي ينقذ البلد من المنحدر الذي يتدحرج عليه؟ لقد فرح المصريون كثيرا، حتى ان القاهرة على الاقل لم تنم في تلك الليلة التي فازت فيها مصر بكأس الامم الافريقية، وهو فرح مستحق لا ريب، واحسب ان المبالغات التي وقعت اثناءه لم تكن كلها لأن المنتخب المصري حقق انجازه الكبير، وانما كان بعضها لأن الناس اصبحوا في حاجة ملحة الى ان يفرحوا، خصوصا بعدما تكاثرت همومهم وعزّت ابتساماتهم، وشحَّت نكاتهم، وما عادت ضحكاتهم تنبع من اعماقهم، ورغم ان الفوز بكأس افريقيا لم يغير شيئا في حياتهم، الا انه اضاف شيئا مختلفا الى معنوياتهم، على الاقل من حيث انه ذكّرهم بأن ثمة لمعة ضوء في العتمة المخيمة، ذكّرتهم بلحظات السعادة والفرح.
المقارنة بين الفوز بكأس افريقيا والفشل في الامور العملية الاخرى بمثابة استدعاء للمقارنة بين الرياضة والسياسة، وتساؤل عن اسباب النجاح في الاولى دون الثانية، وردّي على ذلك التساؤل ان العوامل الرئيسة للنجاح واحدة في الحالتين، لكن تلك العوامل تُوظَّف في الرياضة ويتم تجاهلها في السياسة، فعنصر الكفاءة مثلا يتم التعامل معه بمنتهى الشدة والحزم في الرياضة، بينما الامر ليس كذلك في السياسة، فكفاءة المدرب ولياقة اللاعب البدنية وموهبته في الاداء، هذه كلها امور لا يمكن التسامح فيها في الرياضة، ثم ان لها معايير واضحة لا يمكن التهاون فيها. والامر مختلف في السياسة حيث قد تُعَد الكفاءة احد العوامل التي تتدخل في اختيار المسؤول، لكنها ليست العامل الوحيد او الحاسم. ذلك ان المسؤول التنفيذي يُختار احيانا لأقدميته او لصلة قرابة تربطه مع من هو اكبر منه، واحيانا يُختار اطمئنانا الى ولائه السياسي. الشفافية عامل اساس آخر في الرياضة، وهو نسبي في السياسة واحيانا ينعدم تماما.
ذلك ان 90 % من النشاط الرياضي يُمارَس امام الناس وتحت اعينهم. فهم يرون من اصاب ومن اخطأ، ويعرفون اسباب اشتراك البعض في اللعب وغياب البعض الآخر. وباستثناء المناورات والمشاحنات التي تقع في الكواليس بين الاداريين، فإن تفاصيل كل مباراة مكشوفة على الملأ، اما السياسة فهي إنْ كانت فن الممكن عند البعض، فإنها ايضا مستودع الاسرار والالغاز، خصوصا في الدول غير الديمقراطية، فالمفاتيح كلها بيد السلطان، هو الذي يحاسب وهو من يكافئ، وهو الذي يتخيّر من يشاء ويقصي من يشاء، وليس بمقدور احد ان يسأل لماذا حوسب شخص او كوفئ آخر، ولماذا دخل فلان وخرج علان، وذلك ما يفسر الفتور الشديد الذي ينتاب المشاهدين في لعبة السياسة، والحماس البالغ الذي يبديه المشاهدون في مباريات كرة القدم. المساءلة قيمة ثالثة حاضرة بقوة في عالم الرياضة، وهي غائبة بالقوة نفسها في عالم السياسة. فالكروت الصفراء والحمراء جاهزة لإنذار اللاعبين، وقرارات الإبقاء او الاستغناء تهدد المدربين والاداريين اذا لم يحققوا الانجاز المرجو منهم، وهتاف الجماهير جاهز للاعب المجيد وصفيرهم واستهجانهم حظ اللاعب المقصّر او المسيء، اما في السياسة فالأصل ان السلطان لا يُسأل عما يفعل، ووحده صاحب حق مساءلة الجميع، وهو المسؤول الاول عن كل انجاز وغير المسؤول الاوحد عن اي اخفاق. عندي اجابة اخرى عن السؤال لماذا يتم الانجاز في الرياضة ويلاحقنا الفشل في السياسة والادارة، خلاصتها اننا نتصرف بمنتهى الجدية في الرياضة لأن سيف الحساب ينتظر الجميع، في حين اننا نلعب ونتدلل في السياسة لأن هراوة الامن المركزي تهدد الجميع!.

 

البوصلة الفلسطينية في أجواء الضباب

 

كتب: جواد الحمد

تعرضت البوصلة السياسية الفلسطينية لغمامات من اجواء الضباب لفترة طويلة، وقد مثّل تفاقُم الانقسام الداخلي على مدى خمسة عشر عاما وتعرُّض الاداء السياسي لهجوم شعبي عارم بعد اقتراح تأجيل التصويت على تقرير غولدستون حول جرائم الحرب الاسرائيلية في العدوان الاسرائيلي على غزة عام 2008/2009، وذلك يوم 3/10/2009 في مجلس حقوق الانسان في جنيف، نقطتي تحوُّل في تحديد اتجاه البوصلة السياسية الفلسطينية، الامر الذي فتح ملف السلطة الفلسطينية وادائها السياسي، خصوصا بعد تردّي الاداء التفاوضي وتراجعه الى درجة ان المؤمنين بالتسوية السياسية والتفاوض لم يعودوا قادرين على لزوم الصمت، وهو ما جعل البوصلة السياسية الفلسطينية تتيه في اجواء الضباب بين المصالح الشخصية، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والتنسيق الامني مع الاحتلال، وعدم تحمُّل نتائج تطبيق التعددية السياسية المفضية احيانا الى فقدان مواقع القرار، كما حصل في انتخابات السلطة لعام 2006، كما تاهت في سبل المحافظة على الثوابت والحقوق، وحماية التأييد العربي والاسلامي الشعبي، بل والرسمي في بعض الاحيان كما حصل ابّان حرب غزة في مؤتمر الدوحة 2009.
وتجدر الاشارة الى انه، ومنذ توقيع اتفاق اوسلو عام 1993، قد احاطت بالبوصلة الفلسطينية الرسمية- واثرت في الشعبية منها- هالة كبيرة من الضباب، وبرغم التحولات الكبيرة التي اجتاحت المنطقة والعالم والقضية على مختلف الصعد، وبرغم التجربة المرة التي عاشها الشعب الفلسطيني في ظل اتفاقات اوسلو على يد الاحتلال الاسرائيلي، وفي ظل حكم السلطة بقيادة فتح، غير ان اصرار فريق اوسلو الفلسطيني بقيادة محمود عباس على التمسك باغتصاب قيادة الشعب الفلسطيني من الناحية القانونية، والاستمرار بالالتزام بخط اوسلو، ورفض نجاحات خط المقاومة في ضرب الاحتلال، ظل هو سيد الموقف لدى هذا الفريق، وكان كلما تداعى الاتفاق وتداعت رموزه قامت الولايات المتحدة وبعض الحلفاء وبالتعاون مع الإعلام العالمي بنفخ الروح فيه من جديد بعملية تنفس صناعي غير حقيقية، وهو ما كشفت عنه يوما ما مادلين اولبرايت عندما استلمت وزارة الخارجية الامريكية؛ اذ كانت القناعة حينها تتزايد بانتهاء او وفاة اتفاق اوسلو في اروقة الخارجية الامريكية، وبالفعل نجحت في اعادة الروح اليه من جديد بعد ذلك لتستمر معاناة القضية والشعب من نتائجه الوخيمة.
وبرغم نجاح الشعب الفلسطيني في قيادة انتفاضة عارمة عام 2000 استمرت اكثر من ثماني سنوات، وبرغم نجاح المقاومة في قطاع غزة بإخراج الاحتلال عام 2005، وبرغم نجاح المقاومة في انزال هزيمة عسكرية وامنية واخلاقية ضد العدوان الاسرائيلي على غزة عام 2008/2009، غير ان البوصلة الفلسطينية الرسمية استمرت في التحليق داخل هالة الضباب بعيدا عن المصالح الفلسطينية العليا وبعيدا عن مطالب الشعب الفلسطيني، ولم تتمكن من تحقيق اي انجاز يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني، وظل التمسك بخط التفاوض مع حكومات الاحتلال مهما كانت مواقفها- حتى لو كانت ضد اتفاق اوسلو- كما فعل كل من ارييل شارون 2002- 2005، وايهود اولمرت 2005- 2009، وبنيامين نتنياهو 2009-000، وبرغم استمرار الاحتلال في الاعتداء على الارض والانسان والمقدسات في فلسطين بلا رقيب او حسيب من دول العالم والنظام الدولي.
في ظل هذه الاجواء الضبابية والبوصلة التائهة تتحرك اوساط وشخصيات وقيادات فلسطينية لاستئناف ما يسمى بعملية المفاوضات السياسية مع الاحتلال بعيدا عن المتغيرات والظروف وبعيدا عن الموقف الشعبي الفلسطيني، وبعيدا عن التقييم الموضوعي لخط التفاوض الفاشل، وتشير اصابع الاتهام الى مصالح اخرى تقف خلف هذه المواقف، حيث تتكاثر الاتهامات لاشخاص وجهات ومؤسسات بعينها بخدمة مصالحهم الشخصية على حساب مصالح الشعب الفلسطيني، والا فما معنى التفاوض لأكثر من 229 لقاء والنتيجة صفر سياسيا كما أُعلن رسميا، وما معنى وضع الشروط التفاوضية ثم التخلي عنها مرارا وتكرارا، والتي كان آخر فصولها ما حصل بعد استلام بنيامين نتنياهو للحكم للمرة الثانية في اسرائيل عام 2009، حيث اعلن في خطاب رسمي نهاية المفاوضات ونتائجها، وهي تقول لا تفاوض على شيء الا على كيفية حماية امن اسرائيل، وبرغم التصريحات الرنانة لقيادات فلسطينية ضده، غير ان الضغوط الامريكية ومحاولات إبرام صفقة ومقايضة ظالمة بين تجميد الاستيطان مؤقتا والتطبيع العربي مع اسرائيل واستئناف المفاوضات الفلسطينية- الاسرائيلية نجحت في كسر الموقف الفلسطيني الذي التقى على اثره محمود عباس ببنيامين نتنياهو وباراك اوباما لإطلاق عملية التفاوض من جديد بلا شروط في نيويورك في 26/9/2009، وذلك رغم استمرار تشدد قيادة حركة فتح، ومحمود عباس تحديدا، في المقابل بوضع الشروط على المصالحة مع حركة حماس في مفاوضات ماراثونية مضنية!.
وما لبثت السلطة ومنظمة التحرير ان وجهت هذه الطعنة للموقف الفلسطيني وحقوق الشعب الفلسطيني، حتى تكشفت مواقف اكثر احراجا وسوءا بطلب السلطة تأجيل التصويت على تقرير القاضي غولدستون في مجلس حقوق الانسان الدولي لستة اشهر، والذي كان يُفترض به ان يطالب محكمة الجنايات الدولية بمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة، في خطوة قيل انها تمت بدوافع شخصية وحزبية وربما بابتزاز صهيوني امريكي متعدد الانواع، ولكنها في النهاية لقيت رفضا كاملا وطنيا وعربيا ودوليا، حيث تكاثرت مطالب اقالة هذه القيادة من الرئيس وفريقه، خصوصا انها تسببت بشرخ كبير في طبيعة التحالف الذي تم تشكيله دوليا ضد اسرائيل في حرب غزة.
وقد كان اكثر المتضررين من موقف السلطة والمنظمة الجديد على الصعيد السياسي جهود المصالحة التي تبذلها مصر، والتي قيل ان الطرفين اتفقا الى حد كبير فيها على معظم ما ورد في الورقة المصرية، وانهما كانا يستعدان للتوقيع على مشروعها في اواخر شهر تشرين اول/ اكتوبر 2009، حيث اتخذت منظمات فلسطينية وعلى رأسها حركة حماس موقفا مغايرا تجاه قيادة فتح ورئاسة السلطة يقضي بأنه (لم يعد هناك فريق وطني حقيقي يمكن توقيع اتفاق مصالحة معه)، في خطوة لقيت دعما شعبيا غير مسبوق رغم جراح الانقسام القائم فلسطينيا، وهو ما يؤكد حجم التيه والضياع الذي اوصل الفريق الحاكم في السلطة في رام الله وقيادة منظمة التحرير القضية الفلسطينية اليه.
ورغم انجاز حركة حماس لصفقة رمزية شديدة الاهمية بالافراج عن عشرين اسيرة فلسطينية مقابل دقيقتي فيديو للجندي الاسرائيلي الاسير جلعاد شاليط، كمقدمة لصفقة التبادل الاكبر المفترضة، غير ان موقف السلطة كان كذلك مدعاة للشك والتشكيك؛ اذ منعت نواب حركة حماس في المجلس التشريعي من المشاركة في حفل استقبال الاسيرات في الضفة، في الوقت الذي سجلت فيه حركة حماس نقطة سياسية وشعبية مهمة بنجاحها الجزئي والرمزي في اطلاق سراح الاسرى لاول مرة، وهو ما وفر فرصا جديدة للمقارنة بين نهجين اوسلوي ومقاوم في صفوف الشعب الفلسطيني.
واكملت السلطة وقيادتها المشهد بموقف متواضع سياسيا، شمل منع المظاهرات والمسيرات الشعبية انتصارا للاقصى والقدس في ظل محاولات الهدم والاقتحام الصهيونية المتواصلة الا من بعضها المتواضع وبقيادة حركة فتح، وبرغم النداءات العالمية للهبة الجماهيرية غير ان إعلام السلطة ومنظمة التحرير وقياداتها لم تُعِرِ الامر اهمية، بل قامت باجراءات لمنع تفاقم اي حراك جماهيري في الضفة الغربية ازاء الامر خوفا من اندلاع انتفاضة ثالثة على الاحتلال قد تطيح بالسلطة ايضا.
وبذلك يمكن القول ان البوصلة الفلسطينية الرسمية، بقيادة محمود عباس لمنظمة التحرير ولحركة فتح ومن ثم للسلطة الفلسطينية، وبرغم الدعم الهائل الذي يلقاه من النظام الدولي، غير ان هذه البوصلة تعاني من تيه كبير ومن انحراف الاتجاه بسبب حجم الغمامات والضباب الذي يحيط بها، وبسبب تداخل الخاص بالعام والمصالح الشخصية بمصالح الوطن، وهو ما اصبح يشكل نظريات وسياسات عمل لا تمت بصلة الى اصل القضية وحقوق الشعب الاساسية، حين يكون حق العودة والقدس وانهاء الاحتلال، وغيرها، امرا خلافيا، حيث طغت مقاييس وموازين اخرى، غير الدوافع الوطنية والمصالح العليا، على القرار الفلسطيني الرسمي، ما يجعل المطالبة بإعادة تغيير الميزان القيادي، بما فيها الاستقالات او التنحي من قبل القيادات التي اوصلت القضية الى هذا الواقع الأليم، مطالب مشروعة ومعقولة ومنطقية ووقعية.
وان تحول مواقف الشخصيات والفصائل والشعب الفلسطيني من هذا النهج الفاشل يمكن ان يؤتي أُكله في حال تحولت الى عمل مؤسسي، وفي حال لم تقدِّم بعض الدول العربية واسرائيل وامريكا حبل النجاة لهذه القيادات، وفي حال عدم انقاذها من قبل حركة حماس بتوقيع اتفاق مصالحة معها لا يلبث ان يلقى مصير سابقاته من الاتفاقات منذ عام 2003 وحتى اليوم، فهل تتمكن القوى والفصائل والنخبة الفلسطينية والعربية المعنية بإنقاذ القضية من بلورة تصورات وآليات تحقق التماسك الاكبر للموقف الفلسطيني، وتعزل هذه التيارات واتجاهاتها وتزيل اجواء الضباب وغماماتها عن اتجاه البوصلة الفلسطينية التي يجب ان تبقى تستهدف انهاء الاحتلال واحقاق الحقوق الفلسطينية والعربية كاملة في فلسطين؟!

 

نعــود ونذكــِّر الرئيــس أوبامــا
هل ستلجأ إلى الطريقة »الهايتية« أم »اليونانية« في العراق؟

 

كتب: سمير عبيد

من المؤكد عندما تقول الحقيقة او تلامسها، من اجل ان يتعرف عليها الشعب العراقي المخطوف منذ سبع عجاف، لن ترضى عنك القطط السمان والحيتان والديناصورات التي جثمت على صدر العراق في غفلة وغلطة من الزمن، وعاثت فيه فسادا ودمارا، وحينها ينثر هؤلاء الساسة، الحيتان، اموال الشعب المسروقة على رؤوس الانتهازيين والوصوليين من الصحفيين والاعلاميين وانصاف المثقفين لكي يتصدوا للشرفاء الذين قرروا السهر والعمل والبحث من اجل اظهار الحقيقة، وكشف المستور، وتهديم اعشاش الشيطان!.
فنحن لم نتطرق الى الاسماء، ولم نتطرق الى ملفات فسادها التي زكمت الانوف، ولدينا الكثير حولها، ولكننا ننبه شعبنا من المخاطر التي تحدق به، والمخططات التي رُسمت ضده، وضد تطلعاته ومستقبل ابنائه، والتي خططتها قوى خارجية لها عملاء وجواسيس ومخربون داخل العملية السياسية، وفي داخل الحكومة العراقية والبرلمان -مع التقدير للقلّة المخلصة، والتي يجب دعمها وتوسعة ساحتها- وبما اننا نعرف مساحة كبيرة من الحقيقة بحكم اختصاصنا وعلاقاتنا وأسوة بالبعض بأن القرار العراقي -الكمّي- هو في يد الولايات المتحدة الامريكية، وهي التي تركت مساحة ما للساسة العراقيين كي لا يقال ان هناك احتلالا استعماريا في العراق، ومن ثم لتعطي هؤلاء الساسة مسحة من الكاريزما الوطنية، وشيئا من ماء الوجه امام الشعب العراقي، وهناك من صدّق هذا واعتقد ان له حكومة تمتلك قرارها، وهناك الاغلبية التي تعرف الحقيقة وهي ان كل شيء في يد واشنطن، لأنها ليست جمعية خيرية، بل هي قوة عظمى لها مصالحها واستراتيجياتها التي دفعت من اجلها الدماء والارواح والمليارات من الدولارات... الخ!.
فالعراق مقبل على انتخابات تشريعية، مازلنا نشكك بإجرائها، وفي الوقت نفسه مازلنا نشكك بنزاهتها، لأن من ادمن على الغش والتزوير لن يكون ناسكا بين ليلة وضحاها، وخصوصا عندما تنعّم بالمناصب والملايين المسروقة وبالحشم والخدم والسلطة المفرطة، ودون رادع لا من دولة ولا من منظمة ولا من دين ولا من عُرف ولا من اخلاق!.
والولايات المتحدة من جانبها ليست دولة ديكتاتورية، بل يهمها سمعتها وتاريخها وميثاقها وشعاراتها، والتي اهمها الحرية وحقوق الانسان، وبالتالي هي تعرف حجم الانتهاكات والتجاوزات التي مورست في العراق، ومن قِبل ساسته ضد المواطن العراقي، وضد العراق كوطن وجغرافية وامن قومي! وبالتالي ليس من مصلحتها الاستمرار في السكوت على غطرسة وديكتاتورية هؤلاء الساسة، وفي الوقت نفسه السكوت على فساد الكثير من القادة الامريكان، العسكريين والسياسيين، العاملين في العراق، والذين جعلوا من العراق مغارة (علي بابا) تدر عليهم الملايين، وهو نسخة من الفساد الذي مورس من قبل بعض القادة الامريكان في امريكا اللاتينية!.
لذا فإن الرئيس باراك اوباما وادارته امام اختبار، سياسي واخلاقي وقانوني، لأن استمرار الوجوه التي مارست التجارة من خلال السياسة في العراق، ومارست التدليس والغش والنصب ضد الولايات المتحدة والشعب العراقي والعالم سوف تكون كارثة عليه وعلى الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه كارثة على العراق والمنطقة، وسبب تأزم في الامن العربي والاقليمي!.
ناهيك عن ان استمرار البعض من هؤلاء، و بالصدارة نفسها، هو بمعنى هدية، وعلى طبق من ذهب لأعداء واشنطن واعداء العراق والمنطقة، لهذا لا بد للرئيس اوباما من اتخاذ موقف شجاع ينتظره الشعب العراقي بفارغ الصبر، وان الزمن الحالي لهو زمن ذهبي بالنسبة للادارة الامريكية لتتخذ القرارات الشجاعة في العراق من اجل انهاء حقبة الغش والتدليس الديني والسياسي، وانهاء عملية (خطف العراق) من قِبل قراصنة جمعهم المال والفساد والمنصب والاستحواذ والسلطة، ولا نعتقد ان ادارة الرئيس اوباما سوف تقبل، والرئيس اوباما نفسه، بحماية القراصنة والخاطفين لـ30 مليون عراقي وللسنة السابعة على التوالي!.
لذا امام الرئيس اوباما تاريخ وحالات مشابهة، والسؤال:
هل سيختار الرئيس اوباما الدرس (الهايتي) ام الدرس (اليوناني) في العراق من اجل تصحيح مسار العملية السياسية وتحرير العراق من الديكتاتورية، الدينية والقومية، ومن القراصنة الذين خطفوه واسروا شعبه؟
فنعود ونكرر ما حصل في هايتي:
لقد دعمت الولايات المتحدة دكتاتورية اسرة (دوفالييه) طوال 30 سنة، ووقفت في وجه الكاهن الاصلاحي، جان برتراند ارستيد، وفي الوقت نفسه كانت وكالة الاستخبارات المركزية تعمل بالاتفاق مع سرايا الموت، وممارسي التعذيب، ومهربي المخدرات، ولكن في عام 1994 وجدت ادارة الرئيس كلينتون، والتي تقدِّم نفسها كمدافع عن الديمقراطية في وضع حرج جدا، كان عليها التظاهر بدعم عودة ارستيد، الذي انتُخب ديمقراطيا ثم اطاح به انقلاب عام 1991، الى السلطة، بعد ان وقّع على احترام قوانين السوق، وعدم مساعدة الاكثر فقرا على حساب الاكثر غنى، وان يستمر العمال الهايتيون بالعمل مقابل اجور بائسة، وإنْ فكر ارستيد بالتخلي عن الذي وقع عليه فما عليه الا النظر من شباك غرفته ليشاهد القوات الامريكية -انظر كتاب الدبلوماسي والخبير وليم بلوم (الدولة الشريرة)!.
وما ورد اعلاه هو منقول حرفيا نحو العراق، وخلال فترة الرئيس جورج بوش، وهذا يعني ان السياسات الامريكية هي سياسات مستنسخة من حقب مختلفة، ومن جغرافيات مختلفة ايضا ليتم تطبيقها في جغرافيات اخرى، ومن هذا المنطلق نُذكِّر الرئيس اوباما بالتحولات السياسية في هايتي!.
وعندما غزت واشنطن هايتي اسرت الجنرال دوفالييه، واسقطت حكمه واعطته للاصلاحي، القس والمحامي ارستيد، وفاز ديمقراطيا بعد ان سانده الاعلام الامريكي، والاعلام اللاتيني الذي اسسته واشنطن، واصبح رمزا للديمقراطية، وبعد سنوات قليلة عادت واشنطن فغزت هايتي بعملية عسكرية خاطفة، فاسقطت حكم الرئيس ارستيد الذي لاك الديمقراطية وتغنى بها، واسرت افراد حكومته ومساعديه وجردتهم من كل شيء، حيث جُرد الرئيس ارستيد من كل شيء وصودر هاتفه الجوال واوراقه الخاصة وحتى مفكرته الشخصية، ونفي الى جمهورية افريقيا الوسطى واسكنته واشنطن في فندق -درجة ثالثة- وقطعت عليه الهاتف والاحتكاك والاتصال، وبعد فترة من الزمن سُمح له بمغادرة الفندق، ولم يسدد حساب الفندق لأنه لم يكن يملك شيئا، فسددته عنه جمعية خيرية تابعة للكنيسة!.
فهل سيستخدم الرئيس اوباما الدرس الهايتي الارستيدي في العراق، ويكون مصير معظم ساسته كمصير الرئيس ارستيد؟
وحينها سينجح الرئيس اوباما بتأسيس سياسة جديدة في المنطقة تنسي وتقبر ادارة الرئيس بوش وسياستها تماما، ومن ثم يؤسس لعلاقة حميمة بين الشعب العراقي، الذي سئم معظم ساسته نتيجة فسادهم وفشلهم وغطرستهم، والولايات المتحدة، وحينها يكون الرئيس اوباما حبيب العراقيين؟
فالكرة في ملعب الرئيس اوباما... وعليه الا يضيّع هذه الفرصة التاريخية.. فهناك شعب ينتظر فرصة الخلاص من مخلفات الرئيس بوش، وهم هؤلاء الساسة المخربون الثيوقراطيون، وان الرئيس اوباما قادر ان يُنسي الشعب العراقي وشعوب المنطقة بوش وما ارتكبه من جرائم عندما يُحرِّر العراق والعراقيين والمنطقة من عصابة سلّطتها ادارة بوش على حكم العراق والعراقيين!.
ام سيستخدم الدرس اليوناني في العراق؟
ففي نيسان/ ابريل 1967، وقبل يومين من بداية الحملة الانتخابية في اليونان، حدث انقلاب، وكان للانتخابات العامة لدى اجرائها ان تؤدي بالتأكيد الى اعادة جورج بابندريو الى السلطة رئيسا للوزراء، وتبع الانقلاب الذي نظمه البلاط الملكي، والجيش اليوناني، ووكالة الاستخبارات الامريكية، والعسكريون الامريكيون المقيمون في اليونان، على الفور، اعلان قانون الاحكام العرفية والرقابة، وجاء تصريح يقول: (ان التصرف على هذا النحو يهدف الى حماية الامة من استيلاء الشيوعيين على السلطة)، مع العلم ان بابندريو لم يكن راديكاليا بل كان ليبراليا معاديا للشيوعية، وكان ابنه وخليفته المنتظر، اندرياس، اكثر يسارية منه، وقد أوقف اندرياس بابندريو وسجن لمدة ثمانية اشهر، وبعد اطلاق سراحه زار السفير الامريكي في اثينا، فييليب تالبوت برفقة زوجته مارغريت، وقال بابندريو عن المقابلة (سألت تالبوت عما اذا كان باستطاعة امريكا التدخل عشية الانقلاب من اجل منع وضع حد للديمقراطية في اليونان، فأكد انه لم يكن هناك شيء باستطاعتهم فعله)!!.
اعطينا هذين المثالين لكي يفهم بعض الذين لا يفهمون الف باء السياسة الامريكية، والذين لا يجيدون غير الشتائم والتثبيط، وعبدة الساسة الديكتاتوريين، انهم يمتلكون تخويلا إلهياً بحكم العراقيين، فالسياسة الامريكية هي استنساخ مع بعض التحسينات، ولهذا تحدث فيها الاخطاء الجسيمة نتيجة اختلاف الشعوب والمجتمعات والجغرافيات في العالم!.
 فالشعب العراقي يعيش مأساة حقيقية، وهي مأساة (التخلف والتجهيل والتخدير والتجويع والاستعباد)، وهو نهج وسياسة واستراتيجية مارسها بعض الساسة وفي مقدمتهم الاسلاميون الثيوقراطيون، ضد الشعب العراقي مع سبق الاصرار!!.
وفي الوقت نفسه نذكِّر الرئيس اوباما بأن لا ديمقراطية في العراق، بل هي مسرحية وخدعة!!
فهناك في العراق ثيوقراطية حاصرت الديمقراطية فنحرتها على طريقة الارهابيين، وسرقت ثوبها، فلبسته وقالت انا الديمقراطية التي يريدها الامريكيون في العراق!!.
فهناك نصب واحتيال سياسي يُمارَس ضد العراقيين والامريكان ومن خلال الدين والسحر الاسود (بلاك ماجك)! هناك ايمان كامل بـ(السحر الاسود) لدى اكثر من 80% من المسؤولين والساسة العراقيين، فننصح القادة الامريكان، عندما يقابلون المسؤولين العراقيين ان يشترطوا على هؤلاء الساسة ترك خواتمهم، ومسابحهم، والمنديل الذي يوضع في اليد عند الحديث، والحروز، والحجابات، خارج البناية التي يتم فيها اللقاء، مع تفتيشهم وتفتيش الاكمام للتأكد من خلوها من الحروز والحجابات التي صُنعت من السحر الاسود، ويا حبذا لو يتم خلع الساعات ايضا!!.
انها أُم المصائب، ونحن في القرن الواحد والعشرين، عندما يدار بلد مثل العراق من خلال الطلاسم والاحجبة والحروز، وعدد العطسات والاستخارة!.
ففي العراق الجديد: ديننا منتهَك، ووطننا منتهَك، وشعبنا منتهَكة كرامته، ومحطَّمة اجياله!.
فمن هو المسؤول عن هذا الخراب والدمار؟